مصنعو البرمجيات في سوريا .. تحكمنا قوانين تصنيع " العلكة والشحاحيط "
مؤسسات رسمية تتهم الشركات المحلية "بعدم الخبرة" وهم يتهمونها "بالفساد"
أكثر من خمسين شركة لصناعة البرمجيات في سوريا وقد تصل بحسب تقديرات البعض إلى 100 شركة، تعمل في بيئة تشريعية وإبداعية "لا تختلف عن تجار الزيت والسمنة والعلكة والشحاحيط" هكذا يصنف عدد من أصحاب هذه المهنة واقعهم.
المراقب لواقع عمل شركات صناعة البرمجيات يلحظ بوضوح عدم استثمار الدولة لتلك الصناعة التي توفر دخلا قويا للاقتصاد الوطني، أسوة بدول كالهند ومصر..لاسيما أن صناع البرمجيات السوريين استطاعوا ورغم كل الظروف "غير المشجعة" على دخول أسواق دول كبرى كألمانيا والنمسا والسويد ببرامجهم التي تعتمد عليها شركات عالمية فيها.
كمال المنجد المسؤول التجاري لمنتدى البرمجيات يلفت إلى أن الشركات الوطنية لصناعة البرمجيات مهملة جدا في سوريا، وغير منظمة، ويضيف إن الترخيص الذي حصلت عليه تلك الشركات كان إما"بطريقة تراخيص صناعية أو تجارية، أو عدم الترخيص على الإطلاق.."
المنجد أعرب عن استغرابه أنه وضمن خطة الإصلاح والتطوير الإداري الذي تنتهجه سوريا يتم توريد "برامج شركات القطاع العام لأتمتة آلية عملها ضمن في إطار معاملات مثل تجار الزيت والسمنة".. "مع أن البرمجة بحاجة إلى دراسة ثم تنفيذها ثم دراسة الاستلام"..
وكنتيجة لمعاناة الشركات البرمجة أعلنت حوالي 30 شركة برمجة تأسيس منتدى صناعة البرمجيات السورية في خطوة جاءت حسب القائمين على المنتدى من أجل تطوير هذه المهنة وتنظيمها وتفعيلها لتأدية ما يسهم بدعم الدخل الوطني.
* القطاع العام يستخدم الكومبيوتر للعب الشدة
مازن الجرف رئيس منتدى صناعة البرمجيات يقول لـ"سيريا نيوز" إن " هناك عاملان مهمان للنهوض بهذه الصناعة.. الأول القوانين التي حصلنا على وعد من السيد وزير الاتصالات الجديد عمرو سالم، بأن نعمل سوية لتغييرها، والثاني الاستثمارات فيها إذ تغيب الاستثمارات عن تلك الصناعة رغم أنه من أكثر الصناعة سرعة في تحصيل عائداتها واستثماراتها ضعيفة، لكن، يضيف الجرف، السوق صغير وهناك تنافس أكبر من الطبيعي لدرجة أن الشركات تبيع بالخسارة" ويضيف "في القرن الواحد والعشرين وفي ظل الاقتصاد الجماعي فإن سوريا اليوم تصدر علكة وشحاحيط أكثر بكثير من صناعة البرمجيات ".
يشير رئيس منتدى البرمجيات إلى أن "الموازنة التي تعتمد من الدولة توجه بنسبة صغيرة جدا إلى قطاع البرمجة أو التطوير المعلوماتي فمثلا بعض المؤسسات الحكومية لديها 300 ألف ليرة في السنة لتطوير المعلوماتي إلا أنها توجه 90% لأجهزة الكومبيوتر و 10% للبرمجيات" محذرا من أن هذه الآلية تضعف سوق البرمجيات، ولا تسمح للشركات بتوظيف الخبرات خاصة وأن " بعض شركات القطاع العام يستهلك الأجهزة كآلات كاتبة أو لعب شدة".
* مؤسسات رسمية تتلاعب بدفاتر الشروط
يلفت سعدو رافع مسؤول الشؤون التنظيم في المنتدى أن " شركات الهاردويير (تطبيق الكومبيوتر) يحصلون على حصة الأسد من السوق البرمجية في سوريا ، ويعتمدون على استيراد حلول خارجية " من وكالات برمجية أجنبية " بدل من التعاون مع الشركات الوطنية في إنجاز الأعمال".
ويضيف رافع إلى أن اعتماد الدولة على شركات محلية للهادر ويير عند بدئها منذ عشر سنوات بتحديث بنيتها الإدارية لم ترافقها خطوات على صعيد صناعة البرمجية الذي لا يزال الاعتماد عليها خجول.
رواد صناعة البرمجيات يتفقون على "الإشادة" بما يقوم به وزير الاتصالات الحالي الدكتور عمرو سالم بسعيه على "تطوير المهنة" إلا أن لجوء الحكومة إلى الدول الأجنبية لأتمتت عدد كبير من المشاريع يثير "امتعاض" شركات البرمجيات فهو إما نابع عن "عدم معرفتها اساسا بوجود قطاع كبير من صناعة البرمجيات لديها قادر على تنفيذها" أو أنها تعرف ولا تثق بالمنتج الوطني لعدم "كفائتهم برأيها".
ويرد العديد من خبراء البرمجيات في سوريا على تبرير أغلب "المؤسسات الرسمية في عدم اعتمادها على البرمجيات الوطنية بأن النتائج التي يحصلون عليها سيئة" بالقول " أن السبب يعود في كثير من الأحيان إلى الفساد والتلاعب بدفاتر الشروط ووضع البرمجيات واستلامها وعدم الاعتماد على شركات دراسات مؤهلة، الأمر الذي يضع مؤسسات الدولة في هذا المأزق..حيث يتم الاعتماد على الوحدات الجامعية في تنفيذ هذه المشاريع أو يتم تبادل دفتر الشروط بين المؤسسات ذات الاختصاصات المختلفة..مما يضع شركات البرمجة في حالة من الإرباك لعدم وجود الدراسة الصحيحة، والاستلام الصحيح..".
يقول كما المنجد هناك شركات عالمية تعتمد على المبرمج السوري وبرامجه في تأمين البرمجيات التي تناسب عملهم.. ونحن تعاقدنا مع شركات في ألمانيا والنمسا والمغرب ومصر...فكيف لا تثق بنا مؤسساتنا الرسمية..
تطالب شركات البرمجيات بعرض المشاريع الحكومية عليها قبل وضعها في المناقصات الخارجية، لأن من شأن هذه الخطوة، باعتقادهم، تفعيل استثمار الشركات في الصناعة الوطنية..وخلق فرص عمل للكادر الوطني الأكاديمي الذي يتخرج فيه 200 إلى 300 طالب في هندسة البرمجيات، وبالتالي منع تصدير هذه العقول للخارج..
ومن مطالبهم أيضا أنه وفي حال اعتماد الشركات العامة على خبرات أجنبية في إنشاء برمجيات أو مشاريع كبيرة، يجب إلزام تلك الشركات على مشاركة شركات محلية معها في هذه المشاريع..وهذا من شأنه تطوير التكنولوجيا الوطنية، وزيادة قدرتها على صيانة أي عطل وليس ترك الأمر رهنا بابتزاز تلك الشركات عند إرسال أي خبير من خبرائها لإصلاحها..
يرى الاستشاري في المجال البرمجي الأيهم صالح أنه " لا توجد صناعة برمجيات في سوريا بالمعنى المتعارف عليه لصناعة البرمجيات في العالم" ويقول" يوجد لدينا شركات تنتج برمجيات، ولكن أغلب هذه البرمجيات تفتقر للكثير من المتطلبات الأساسية التي تمكن من تحويلها إلى منتج صناعي" ويعزو صالح السبب إلى عقبات كثيرة تواجهها منها" ضعف البنية التحتية للاتصالات، وحجب العديد من الخدمات التي تحتاجها صناعة البرمجيات، مثلا، مازالت شبكة مؤسسة الاتصالات تحجب خدمة تبادل الملفات ftpوخدمة تبادل النصوص البرمجية CVS، وهما خدمتان حيويتان لا يمكن أن تقوم صناعة برمجيات سورية بدونهما".
ويلخص الأيهم صالح مشكلة صناعة البرمجيات " أن سوريا ليست مؤهلة حاليا لقيام صناعة برمجيات حقيقية، لأن شركات البرمجيات السورية تعمل في بيئة غير صحية لا تسمح لها بالنمو والتطور، وهي مضطرة للتعاون مع بعضها لضغط نفقاتها والتعاون بدلا من التنافس على بعض فتات العقود التي تطرح في السوق سنويا ولا تكفي لتمويل استثمارات حقيقية لشركة واحدة فقط" مضيفا " يكفي أن نعرف أن سوريا لم تشهد أي قانون يتعلق بصناعة البرمجيات حتى الآن، وكل ما لدينا عبارة عن قرارات وتعليمات واجتهادات من عدة جهات"..لافتا إلى أن "أكبر مستهلك للبرمجيات في سوريا هو القطاع العام، أي الدولة، وهي نفسها التي تعيق تطوير صناعة البرمجيات المحلية، ولذلك، فهي بالتأكيد تحصل على ما تستحقه من برمجيات في عقودها.
جورج كدر ـ سيريا نيوز