خلال بضع السنوات الأخيرة, كان مقدرا لمؤسسة الاتصالات، أن تعيش أسوأ كوابيسها، فوارداتها، ومع كل صباح جديد، باتت تتناسب عكسا مع اتساع رقعة خدماتها جغرافيا وتقنيا..
فمنذ العام 2001 الذي شهد فيه مبنى مؤسسة الاتصالات مؤتمرا هاما ناقش التحدي الذي فرضته اتصالات الانترنت (VOIP)، ما فتئت المؤسسة ترمق بنظرات وجلى جسدها المكتنز وهو يثخن بمزيد من جراح التهريب المنظم للاتصالات الواردة إلى سورية عبر الانترنت!!؟؟.. فلا هي بادرت إلى سد الثغرة المتسعة الآيلة يوما بعد يوم إلى فجوة تبتلع الجزء الأكبر من أرباحها، ولا هي أبدت كثير اهتمام بعشرات الصرخات المنادية بفتح هذا الملف ..
المشهد وصل مذاك إلى حدود ميلودرامية.. لكن، ولحسن الحظ، ها هي النهاية تلوح مع شيء من الاختلاف.
انتصار للذات..
ببساطة يمكن القول أن ثمة انتصارا حققته مؤسسة الاتصالات لذاتها حين أطلقت ? قبل أسابيع قليلة- مزايدة علنية لاستثمار اتصالات الانترنت الواردة إلى الجمهورية العربية السورية بطرق غير شرعية، مكفكفة بذلك، عوامل النزيف الحاد والمستمر الذي سلبها جزءا هاما من أرباحها على مدى السنوات الأخيرة، أهرق بنتيجته ما اتفق المختصون على تجاوزه مئات الملايين من الدولارات، إن لم يكن أكثر، حيث لا أرقام دقيقة يمكن الوصول إليها..
الإحساس العميق بالغبن، وجردة الخسائر المحزنة لعملية تمرير الاتصالات من بعض الدول وعلى رأسها لبنان الشقيق، جعلت الكثير ممن تحدثنا إليهم مرتاحين إلى هذه الخطوة، فهؤلاء رأوا: بأن مرونة ما، باتت تسري في جسد مؤسسة الاتصالات على غير ما عهدوه فيها.. فهي استطاعت إطلاق مبادرة فريدة عربيا بالتعاون مع (Ritch Telecom)، الشركة الكندية العاملة في اتصالات الانترنت، ستتمكن عبرها من سد منافذ التهريب المنظم إلى غير رجعة..
الشراكة الجديدة تتيح لـ (Ritch Telecom) استثمار اتصالات الانترنت الواردة إلى سورية لقاء (61.5) مليون دولار، تدفعها كل ستة أشهر لمؤسسة الاتصالات، على ألا تتأثر أرباح المؤسسة من الحركة الواردة إلى سورية، وإن حصل ذلك فتتعهد (Ritch Telecom) بتحمل أية أعباء مالية تتمخض عن انخفاض في كثافة الحركة الواردة عبر الشبكة التقليدية..
إقدام (Ritch Telecom) على قبول كل تلك الالتزامات، لا بد يشير إلى عمق المشكلة التي كانت قائمة..
آلية التعاقد..
جلسة المزايدة العلنية التي اعتمدت طريقا للتعاقد على اتصالات الـ (VOIP)، كانت مفاجئة، ففي الوقت الذي توقع فيه الجميع عروضا لا تتجاوز بضعة ملايين من الدولارات، انفجر مبلغ (61.5) مليون دولار في وجه الشركات المتقدمة للمزايدة.. لدرجة أن إحدى الشركات (جبل قاسيون ـ السعودية) الخاسرة، طالبت ? ضمن كتاب رسمي موجه إلى المؤسسة- بإنزال أشد العقوبات بحق شركة (Rich Telecom)، لما سببته من (دهشة) للشركات المتقدمة؟؟!!..
إذا: فازت الشركة الكندية (Ritch Telecom) غير المعروفة على نطاق واسع في سورية بعقد (تجريبي) مع مؤسسة الاتصالات يجيز لها تمرير دقائق المكالمات الهاتفية عبر الانترنت إلى سورية قيمته (16.5) مليون دولار، بواقع (6سنت// 3 ليرات سورية تقريبا) كل دقيقة، ما يعني التزام (Ritch Telecom) بتمرير ما لايقل عن (170) مليون دقيقة هاتفية شهريا، من كل أنحاء العالم لكي تسد المبلغ الإجمالي..
تشكيك..
أثارت ((Ritch Telecom) زوبعة من الأسئلة، منها ما طال جنسيتها، حيث أبدى البعض شكوكه في كون الشركة لسوريين سجلوها في كندا؟؟.. ومنهم من رأى أن قيمة العقد لا يمكن أن تكون منطقية في ظل شروط التعاقد التي فرضتها المؤسسة، ما يعني بحسب اعتقادهم: من المؤكد أن ثمة (طبخة فاسدة) تفوح رائحتها تحت الطاولة التي شهدت توقيع العقود؟؟...
أما السيد فراس بكور مدير مجموعة ((إنانا)، الوكيلة محليا لشركة (Ritch Telecom)، فقد قال إن الأخيرة هي شركة عملاقة تعمل في مجال خدمات الاتصالات عبر الانترنت، وتربطها علاقات قوية مع الشركات العالمية العاملة في هذا المجال.. وأضاف أن العرض المقدم من قبل شركته بسيط وواضح إلى درجة لا يصح معها التأويل، فهي قدمت سعرا يفوق بأشواط ما قدمه تحالف مؤلف من العديد من الشركات، أثناء المزايدة العلنية، كما أنها ـ أي شركته- قدمت زيادة على ذلك تعهدا بدفع ثمن أي هبوط في عدد الدقائق الواردة إلى سورية عبر الشبكة التقليدية، وهو لذلك سيضع وديعة بقيمة (مليون يورو) لدى المؤسسة كضمان.. ويضيف: أي (طبخات) أوضح من هذه؟؟!!...
من جهته، عزا السيد غطفان قنديل من مؤسسة الاتصالات، مصدر ذلك الهجوم الشرس على العقد المبرم بين مؤسسته و(Ritch Telecom) الى الشركات المنافسة.. حيث حاولوا إضفاء الشبهة على الأمر.. في حين جميعهم من الشركات التي كانت تهرب الاتصالات إلى سورية بطرق غير مشروعة .. وقد تضررت أعمالهم بقوننة العملية.. الأمر ببساطة أن ما كانت تخسره الحكومة السورية بات الآن يعود إليها، وأكثر منه..
خسارات قبل التعاقد
يتوقع السيد غطفان قنديل بأن حجم الخسارات التي تعرضت لها مؤسسة الاتصالات من وراء تهريب الاتصالات عبر الانترنت لم يكن ليتجاوز شهريا 1 ـ 2/1 مليون دولار شهريا بحسب المعلومات المتوافرة، بزيادة ملحوظة شهدتها الأشهر الماضية. وأضاف: الكثير من الشركات اللبنانية اغتنت من تهريب الاتصالات إلى سورية، فإما مكافحتها وإما إفساح المجال بالمثل أمام الشركات السورية.
من جهته، رأى الدكتور علوش بأن إحساسا عميقا ألم بجميع المسؤولين عن قطاع الاتصالات خلال السنوات الأخيرة يشير إلى تناقص في عائدات المؤسسة من الاتصالات الواردة إلى سورية (البالغة 40 مليون دولار)، في الوقت الذي كان من المفترض فيه أن تزداد... ولم يكن من الممكن القضاء على منافذ التهريب إلا بقوننتها وتنظيمها، ولم يعد كافيا الاكتفاء بتوقيف البعض ومخالفة البعض الآخر.. وأضاف: اليوم بالذات استقبلت أكثر من عشرين مكالمة خارجية، جميعها تحمل أرقاما سورية داخلية!!.
في حين رأى السيد بكور بأنه من غير الممكن الوقوف على توقعات دقيقة لحجم الاتصالات المهربة إلى سورية، ولكن نسبة إلى عدد المشغلين غير النظاميين الذين يمررون المكالمات عبر شرق آسيا وأوروبا وكندا ولبنان، أتوقع أن الحجم يصل إلى 100 مليون دقيقة شهريا.
آلية التمرير غير الشرعي
رى السيد غطفان قنديل بأن: تهريب الاتصالات يمر عبر طريقين، الأولى عبر إعادة التمرير (Refiling) من الدول المجاورة (لبنان) وتلك التي لا تقاص بيننا وبينها (لبنان - نيجيريا). والثانية عبر الكثير من المحطات الداخلية الصغيرة (Termenationn) التي ضبط عدد منها، والموصولة إلى دارة انترنت مستقدمة من مزودي خدمة الانترنت في الجمعية والمؤسسة.
أما السيد فراس بكور فيرى بأن الحركة غير النظامية كانت تتم إما عبر الأطباق (V-SAT)، وإما عبر الانترنت(VOIP). وذلك باستخدام محطات (يمكن أن تكون مجرد مكتب صغير ودارة اتصال ومحول) داخل سورية وفي المناطق اللبناينة المرتفعة كـ (ضهر البيدر) التي تتيح التقاط إرسال الموبايل السوري، حيث يتم استعمال خطوط الموبايل في معظم الأحيان لتحويل كمية هائلة من المكالمات عبر الموبايل السوري وكأنه عبر الشبكة الداخلية. مستفيدين من أن خطوط الموبايل لا تحتاج إلى مكان ثابت كما يمكن استخدام الخط لمدة شهر وإحراقه بعدها منعا للملاحقة..
كما تحدث بعض العاملين في تهريب الاتصالات، عن مرور كثيف للمكالمات الهاتفية من لبنان الشقيق، ما أنتج شركات لبنانية خاصة اعتاشت على دم مؤسسة الاتصالات السورية الأمر الذي يبرر في كثير من جوانبه لهم أخلاقيا إنشاء شركات مشابهة ما دامت الشركات في لبنان الشقيق تمتص دمها فمن باب أولى أن تمتصه شركات وطنية على الأقل..
كيف يمكن لـ (Ritch Telecom) أن تربح..
هل يمكن لـ (Ritch Telecom) أن تربح على الرغم من الشروط (القاسية) التي التزمت بها أمام مؤسسة الاتصالات..
فراس بكور يقول: سعر الدقيقة إلى سورية في العالم لا يتجاوز الـ 25 سنتاً، ولا يقل عن 18 سنتاً (بحسب المشغل).. وببساطة، سنعتمد مبدأ: الأرض المنخفضة تستقطب كل المياه .. حيث سنلجأ إلى السعر المنخفض في استقطاب كل المكالمات الواردة إلى سورية.. ففي الاحصاءات الأولية لدينا توقعات تشير إلى ما يقرب (100) مليون دقيقة تمرر إلى سورية شهريا.. ومن كان يتحدث إلى سورية خمس دقائق بدولار واحد، سنعطيه 10 دقائق بدولار.. وبالتالي سيزيد من مكالماته، وهذا سيزيد عدد الدقائق ليغطي التزامنا مع مؤسسة الاتصالات من جهة، ومن جهة أخرى وفي ظل السعر الرخيص سيكون ذلك حافزا على زيادة استخدام كبيرة للمتصلين من خارج سورية.. هذه ببساطة هي المعادلة التي لم يستطع الكثير من المتقدمين فهمها على بساطتها.. كما يجب ألا ننسى بأن هناك عشرات الملايين من السوريين المغتربين وغيرهم ممن يتصلون إلى سورية من غير السوريين..
ويضيف بكور: أخذنا الدقيقة بـ 6 سنتات.. فنحن حتى لو أضفنا - على سبيل المثال- ما يقارب ستة سنتات أخرى كهامش ربح أوحتى وصلنا إلى 16 سنتاً (أي بفارق 2 سنت عن الأسعار العالمية)، سنكون قادرين على استقطاب جميع الدقائق من المشغلين غير النظاميين الذين يدفعون 18 سنتاً للدقيقة، وبذلك نكون قد أطلقنا الخدمة بشكل نظامي يعيد ما تخسره المؤسسة حاليا، ونكون نحن أسسنا لأرباحنا.. وبالطبع لن يستطيع أحد منافستنا لأن أسعارنا أرخص وعملنا قانوني أي بمعنى أنه مستمر ومضمون للمشغلين الآخرين ما يغريهم للانتقال إلى العمل من خلالنا.
هل تنتهي المشكلة..
الدكتور علوش يقول بأن المستفيد الأكبر من هذا التعاقد هم الجاليات السورية في الاغتراب، «وهي ستشكرنا على هذه الخطوة حيث ستتحسن الأسعار بشكل كبير كما سترتفع جودة الصوت» .. وستجف الحركة المخالفة شيئا فشيئا..
لكن التوقعات جميعا تشير إلى حجم تهريب يصل إلى (120 مليون) دقيقة شهريا فما الذي يضمن لـ (Ritch Telecom) أن تربح ما دامت مطالبة بـ (170مليوناً) لتغطي ما ستدفعه للمؤسسة.. فهل ستلجأ إلى طرق أخرى؟ وهل يمكن لها أن تمرر اتصالاتها إلى الدول المجاورة؟..
يجيب السيد بكور:
أولا: نحن نراهن على السعر المنخفض الذي سيزيد حجم الاستخدام حتما.. وثانيا: فلنفترض بأننا لن نستطع تمرير أكثر من 120 مليون دقيقة إلى داخل سورية.. فسيتوجب علينا دفع ثمن 50 مليون دقيقة لإتمامها إلى الـ 170 مليون دقيقة.. والآن لو احتسبنا بأننا سنضع هامش ربح في كل دقيقة 5 سنتات، فسيكون ربحنا في الـ 120 مليون دقيقة الأولى 600 مليون سنت.. ما سيمكننا من تسديد ثمن الـ 50 مليون دقيقة المتأخرة، ويزيد هامش أرباحنا.. هذا هو الأمر بكل بساطة... وأستطيع القول: إن العديد من الشركات التي تعمل في تمرير الاتصالات بطرق غير شرعية طلبت منا خلال الأيام القليلة الماضية شراء دقائق إلى سورية، وكذلك الشركة الأم في كندا تلقت الكثير من الطلبات للأمر ذاته ... وأستطيع القول: إننا منذ الآن تعاقدنا مع بعض الشركات لتمرير ما مجمله 120 مليون دقيقة حتى الآن.. إذاً، نحن منذ الآن بدأنا بتحصيل أرباح... وحتى بالنسبة لـ ريتش فهي تتطلع من وراء توقيع عقدها مع الحكومة السورية إلى توقيع مماثل مع حكومات المنطقة وهي أبدت تفاؤلها حيال إقدام الحكومة السورية على توقيع مثل هذا العقد الفريد (VOIP Termination Legaly) في المنطقة العربية والشرق الأوسط.. وهي تقدمت بمشروع مماثل إلى الأردن..
يبقى السؤال..
شرط عدم انخفاض الحركة الواردة إلى سورية عبر الشبكة التقليدية سيبقى كوة مشعة لدخول الشيطان..
ففيما لو اعتمدت حجوم الحركة الواردة قبل أربع سنوات (مثلا) فإن (Ritch Telecom) ستقع في خسارات كبيرة لا محالة.. أما فيما لو اعتمدت حجوم الأشهر القليلة الماضية، فإن ظلما سيلحق بأرباح المؤسسة، ذلك أن حجم تهريب الاتصالات بين الفترتين يختلف تماما.. وهنا سيحلو للبعض إعادة الحديث عن (طبخة) يمكن لها أن تفسد..
تشرين