مايكروسوفت وشعار: البرمجيات مقابل الغذاء ؟!!
منذ 1975م ونخن نتابع عملاقاً كبيراً يسيطر على عالم البرمجيات وتكنولوجيا الخدمات المهنية و المنزلية، ونعني به شركة "مايكروسوفت" الأمريكية. فقد نجحت هذه الشركة في الدخول إلى عالم الكمبيوتر والإنترنت ، بإنتاجها العديد من المستخرجات والمنتجات والخدمات المصممة خصيصا لتزويد المستخدم بالقدرة علي العمل من أي مكان عبر برامج رائدة، أشهرها حزمة برمجيات "أوفيس" و" ماسنجر".
ويمتلك هذه الشركة العملاقة ، شخص واحد هو "بيل جيتس" الذي يعد من أذكى رجال العالم وأغناهم برغم صغر سنه ، فقد وضع هذا الشخص نهايةً لمقولة مؤداها : إن الأفكار الكبيرة والعبقرية تأتى من الفلاسفة والكتاب و الدوائر الأكاديمية فقط، حيث نجح في جعل80% من الحاسبات تبدأ العمل بظهور نوافذ "طائرة" على الشاشة ، كعلامة على نظام تشغيل ويندوز الذي تنتجه "ميكروسوفت". وبفضل هذه العبقرية الفذّة في تصميم البرامج ، احتل "جيتس" مكانةً متميزة بين العلماء الذين أثروا الإنسانية بنتاج عبقريتهم.
والواقع أن مايكروسوفت تحقق أعلى نسبة مبيعات في عالم الكمبيوتر سواء في العالم الغربي أو العربي، فهي تحتكر سوق أنظمة التشغيل ، وبرامج معالجة النصوص وبرامج الجداول البيانية. وقد أصبح هذا الاحتكار لعالم الكمبيوتر والمعلومات بمثابة "الأزمة" التي تقلق العديد من الدول حتى أمريكا ذاتها التي حاولت تفتيت الشركة للقضاء على هذا الاحتكار والسيطرة المطلقة على تدفق المعلومات. فقد تقدم العديد من الشركات الأمريكية إلى المحكمة الفيدرالية بدعوى قضائية لكسر احتكار "مايكروسوفت" وبخاصة بعد أن انتهكت هذه الشركة قواعد المنافسة التي تنظم العمل في مجال البرمجيات، بالربط بين نظام ويندوز ومتصفح الإنترنت "الاكسبلورر". وقد أقرت المحكمة الفدرالية بفرض على"مايكروسوفت" الكشف عن عناصر بعض من برامجها، بهدف إتاحة الفرصة للمتنافسين في هذا الميدان لإنتاج برامج قوية وفعالة .
والواقع أن العديد من دول العالم سعت وما زالت تسعى للتخلص من هيمنة مايكروسوفت، خوفاً من امتدادها إلى سيطرة سياسية، تصبح معها معلومات وبرامج الكمبيوتر وسيلة للضغط السياسي على الدول، كتفتق الذهنية لديها عن إفكار من مثل "برمجيات وأنظمة الكمبيوتر .. مقابل الغذاء أو الأرض !!" علي غرار "برنامج النفط مقابل الغذاء" أو "الأرض مقابل السلام" .
وكانت شركة "يونج تشونج تكنولوجي" الصينية توجهت إلى توقيع اتفاق مع شركة "إنترنت تليفون" اليابانية لترويج برامج الكمبيوتر ، بهدف تسويق حزمة برمجيات "يونج تشونج" أوفيس الصينية الخاصة بأداء المهام المكتبية على الكمبيوتر، في محاولة للتخلي عن استخدام برنامج مايكروسوفت أوفيس. كما قامت إحدى الشركات الكورية بإنتاج برنامج خاص بها لمعالجة النصوص، غير مايكروسوفت حاربت هذه الشركات بقوة حتى كادت تدالفريق العربي للبرمجةها إلى حافة الانهيار، لولا تدخل الحكومة الكورية في الوقت المناسب.
أما عربيا فيمكن القول بأن مايكروسوفت تصول وتجول في ملعب خال من المحترفين في العالم العربي، فاحتكارها لسوق البيانات المعلومات والمعارف، قتل أي محاولة عربية لتطوير أنظمة تشغيل محلية أو برامج معالجة نصوص وجداول بيانية وغيرها. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن : ما هو تأثير استمرار هذه المسرحية الهزلية على ثقافة العرب واتجاهاتهم المعرفية، في هذا المجال المتطور بالذات ؟.
مع تفشى مصطلح "العولمة" في مختلف مناحي الحياة، نرى جليا الأنموذج الثقافي الأمريكي يشكل اتجاهات الشباب العربي المعرفية، ومع ذلك ، فإن ثمة محاولات تبذل في العالم العربي لكسر هيمنة مايكروسوفت ببرامجها "عالية التقنية" ، حيث قامت شركة صخر للبرمجيات الرائدة في مجال الكمبيوتر، بمحاولات لابتكار برامج خاصة بها، من بينها تصميم برنامج للمكفوفين يسمح لهم بتصفح الإنترنت عن طريق الصوت، إضافة لاستخدام برنامج "قارئ الشاشة" الذي يتيح لهم التحكم في جهاز الكمبيوترالفريد. والتوازي أيضا نجح الدكتور "صالح الشهابي" (جامعة الإسكندرية) في إنجاز نسخة معربة من نظام X Windows ، تحمل اسم "بيتا" ، ليتم استخدامها في نظام "لينكس" المنافس الأكبر لـ "ويندوز"، حيث يتميز بخاصة الأسرع والأرخص.
ويعتقد د.الشهابى أن أكبر عقبات تعريب الأنظمة الإلكترونية ، هي غياب المؤسسات المتخصصة التي تقوم بهذا العمل، والاقتصار على المبادرات الفردية . فهناك العديد من الشركات العربية التي حاولت تعريب البرامج ، لكنها تفتقد لعنصر التنظيم والتكتل. كما أن جهودها تركزت على استخدام "شفرة" خاصة بها مختلفة عن مثيلاتها، وهو ما أتاح الفرصة أمام مايكروسوفت للقفز على كل الشركات التي سبقتها في هذا المجال، وهو ما أدى- في النهاية - إلى إجبار المستخدم العربي على التعامل معها. ولكن وبالرغم من النجاحات المتلاحقة التي حققتها مايكروسوفت، غير أنها تقف الآن مكتوفة الأيدي أمام الأزمات المتلاحقة التي تواجهها، فقد أتهمت بعض المواقع العربية مايكروسوفت بتضمين برامجها ملفات من شأنها تسهيل تجسس إسرائيل على المواقع العربية، الأمر الذي دفع بالشركة للتأكيد على أنها لا تقوم بإنتاج برامج عسكرية، وأن جلّ البرامج التي تنتجها مفتوحة للاستخدام. كما اعترفت "مايكروسوفت" بوجود خلل في أحدث إصداراتها من برنامج "الأوفيس" الذي احتوى بدون قصد على حروف طباعة على شكل صليبين معقوفين الذين يرمزان في الديانة البوذية لآثار أقدام بوذا، وأبدت استعدادها التام لتوفير كل الأدوات اللازمة لإزالة تلك الحروف التي اعتبرتها مسيئة للبرنامج. وعلى الرغم من خطورة المشكلتين السابقتين ، غير أنهما لا تخصان قطاعاً كبيراً من المستخدمين، ومن ثم لم يؤثرا ذلك كثيراً على تدفق المعلومات.
ومنذ فترة وجيزة اكتشفت مايكروسوفت خللين خطيرن في برنامج ويندوز، قد يسمحان لقراصنة المعلومات بالدخول إلى الكمبيوتر وتخريب ذاكرته. واستمرارا لمسلسل الأخطاء، حذرت الشركة مؤخرا من سبع نقاط ضعف أمنية في برامجها، وصفت خمسة منها بأنها خطيرة. ويتمثل خطر تلك النقاط في : إمكانية قيام قراصنة الكمبيوتر باختراق البرامج ، والتأثير على برنامج خادم البريد الإلكتروني "مايكروسوفت اكستشينج"، ونسخ العديد من نظام التشغيل الخاص به، وخدمة ويندوز ماسنجر ، وبرنامج الوسائط المتعددة لمتصفح الإنترنت، فضلا عن إتاحة الفرصة أمام القراصنة للدخول على النظام وتخريبه.
وآخر الأحداث التي لحقت بالشركة مهددة سمعتها وشهرتها التي نجحت في حمايتها على مدى 29 عاماً ، تسرّب "الشفرة" السرية الخاصة بها ، وتعرض أجزاء من تصميمات برامجها وأنظمة التشغيل للسرقة . وقد داهمت "مايكروسوفت" مخاوف من أن تؤثر هذه الحادثة على تخريب واسع للاقتصاد العالمي، حيث مئات الملايين من أجهزة الكمبيوتر تعتمد على نظام التشغيل ويندوز. وكرد فعل سريع وقوي على هذه المخاوف، دعت الأجهزة الأمنية في الولايات المتحدة إلى فتح تحقيق حول تسرب معلومات سرية متعلقة بنظامها ويندوز عبر شبكة المعلومات الدولية.
من جهة أخرى ورغبةً في تحقيق مزيد من التشهير بأي إنجاز يخص مايكروسوفت. فقد نجح العديد مصممي الفيروسات من كتابة فيروسات قادرة على شل حركة تدفق المعلومات، كنجاح دودة "سوين " في تعطيل برامج الأمان الموجودة على الحاسب، مستغلةً ثغرةً أمنيةً في برنامج "اكسبلورر". ليعيد إرسال نفسه إلى كل العناوين المخزّنة على حاسوب الضحية، كما يمكنها الانتشار عبر غرف الدردشة وملفات الموسيقى المشتركة، فضلاً عن قدرتها على نسخ نفسها عبر الشبكات.
كما وصلت رسالة إلى معظم الحاسبات التي تعمل بنظام تشغيل ويندوز تقول: "بيل غيتس : لماذا تسمح بحدوث هذا ؟ كف عن جمع المال وأصلح البرامج التي تنتجها"، وهي بالطبع رسالة مضللة، لأنها تحمل في طياتها نسخة من فيروس "بلاستر" أو "لافسان" الذي وصف بأنه على درجة عالية من الخطورة، حيث نجح في إصابة الأجهزة بالشلل وبطئ الاتصال بالإنترنت. ويختلف بلاستر إلى حد ما عن غيره من الفيروسات التي تنتشر عبر البريد الإلكتروني، إذ يمكنه الانتشار عبر الاتصال العادي بالإنترنت، كما يقوم بعملية مسح للإنترنت بحثا عن أي أجهزة أخرى لا تتمتع بالحماية الكافية. مستهدفا على وجه الخصوص الإصدارات الأخيرة من ويندوز.
وبعد .. هل يمكن في ظل هذا الجو المفعم بالهيمنة " المايكروسوفتية"، أن نحلم بظهور ولو مبتكر عربي واحد يكون قادراً علي المنافسة الحقة في هذا الميدان؟. ويمكننا القول بإنه من الصعب أن يتحقق هذا الحلم، طالما ظلت "التبعية" هي الخاصة التي تنظم علاقاتنا بأمريكا والغرب، و طالما ارتضينا أن نبقى هدفاً سهلا للتدفق المعلوماتي باتجاه واحد، وهنا يمكن للمصادر المفتوحة التي تعنى وزارة الإعلام حاليا برعايتها، أن تشكل حجر الزاوية الأول في البناء المعلوماتي المحلي الذي لا بد من فصله عاجلا أم آجلا عن هيمنة مايكروسوفت أو غيرها من الشركات التي تمارس احتكار العالم الجديد
منقول للفائدة
