تحدث مايكروسوفت جلبة كبيرة حول الإصدارة التالية من ويندوز. وإذا أخذنا في الاعتبار تاريخ الشركة فيما يتعلق بالأمن، وبرمجيات التجسس (spyware)، ومستوى الإبداع، والعجرفة، فإن هذه الجلبة لا تبشر بالخير. يحمل نظام ويندوز الجديد الاسم الحركي المؤقت لونجهورن (Longhorn)، نسبة إلى حانة توجد في قرية
Whistler
السياحية في منطقة بريتيش كولومبيا في كندا، تحمل الاسم ذاته. سنبدأ أولاً من المعلومات المضللة، حيث قالت مايكروسوفت لوسائل الإعلام أن سبب انتقائها اسم لونجهورن لنظامها الجديد، يرجع إلى أن الحانة التي تحمل هذا الاسم، هي حانة "صاخبة ومشاكسة"، للإيحاء بوجود تيار في مايكروسوفت ينتمي إلى عالم ثوريّ.. يا لها من دعابة! الحقيقة هي أن قرية ويسلر عبارة عن منتجع تزلج فخم رواده من الشباب المدلل، وقد حصلت حانة لونجهورن على لقب الحانة "رقم واحد" للمتزلجين في كندا، حسب مجلة Snow Country. والحقيقة أنه يوجد فرق بين وصف ذلك المكان "بالصاخب والمشاكس" ووصفه بالحيوية.
ويتمادى تشويه الحقائق، فها هو Jim Allchin المسؤول عن مشروع لونجهورن، يرد في مؤتمر أجرته مايكروسوفت مؤخراً، على تعليق من أحد الحضور حول محرك البحث Google
قائلاً: "إن Google نظام لطيف، لكنه مقارنة مع رؤيتي لمحركات البحث، يعتبر نظاماً مثيراً للشفقة". شعرت بالقشعريرة عندما حاولت تخمين ما تعتبره مايكروسوفت نظاماً رائعاً، في الوقت الذي تفشل فيه بتقدير الأناقة التي يتمتع بها محرك Google. فهل يعقل أنها تعتبر محرك MSN، بكل أكوام الفوضى التي يحتويها والتي لا تروق سوى للمراهقين، محركاً رائعاً؟ ربما!
لمّح Allchin أيضاً إلى أن نظام لونجهورن ستكتب شيفرته البرمجية من الصفر. لا أحد يصدق هذا الكلام طبعاً، لكن تصور لو أن هذا الأمر حقيقة! عندها، لن يتم طرح المنتج قبل العام 2010. انظر إلى الزمن الذي استغرقته مايكروسوفت لطرح ويندوز إن.تي الذي كتبت شيفرته من الصفر. في ذلك الوقت، كان يعمل لدى مايكروسوفت نجم شركة DEC اللامع ديفيد كتلر، بالإضافة إلى حصول الشركة على مساعدة سرية من IBM. وقد ظهرت براهين تؤكد أن الشيفرة التي أضافتها IBM، بالإضافة إلى شيفرة أضيفت من نظام التشغيل FreeBSD، منتشرة ضمن شيفرة ويندوز 2000 وإكس بي.
إني أشك حتى في إمكانية بناء نظام تشغيل من الصفر هذه الأيام، ولذلك ستعمد مايكروسوفت إلى اقتباس ما تستطيعه من الأنظمة السابقة. وتكمن المشكلة في أنك حين تحاول وصل قطع مبعثرة معاً، فإنك لن تتمكن من الإلمام تماماً بكيفية عمل نظام التشغيل من الداخل. ولهذا السبب، لا يمكن أن يتحقق ادعاء Allchin الآخر، والذي يقول بأن الجانب الأمني من النظام سيحظى بالجانب الأكبر من الاهتمام. فمن غير الممكن صنع برنامج آمن ما لم تلم بكيفية عمله، بالإضافة إلى أن مايكروسوفت غير قادرة على صنع منتج آمن تماماً، لأن لا أحد يستطيع تحقيق ذلك الأمر مطلقاً. لكن توجد مستويات من الأمن، ويجب على مايكروسوفت أن تعالج الطريقة التي تنتهجها، والمتمثلة بطرح الرُقَع الأمنية (patches) يوماً بعد آخر. كما أن تصريحات مايكروسوفت الرنانة حول الأمن، ستجعل من النظام هدفاً مباشراً للمخترقين.
وأردأ ما في الأمر، هو أن مايكروسوفت تبدو سائرة على الطريق السليم بالنسبة لنظامي ويندوز 2000 وإكس بي. فهما أكثر استقراراً من أي نظام طرحته سابقاً، حيث قُلِّصت مشاكل توقف النظامين عن العمل بشكل مفاجئ إلى أدنى مستوى، كما أنهما يتمتعان بسهولة الاستخدام. ولذلك، مجمل ما يترتب على مايكروسوفت القيام به هو تطوير شيفرتيهما البرمجية إلى أفضل ما يمكن. فلماذا التبجح ببناء نظام تشغيل "من الصفر"، ما دام الناس قد بدءوا يحصلون على مبتغاهم، ألا وهو الاستقرار؟
قد يرجع السبب في ذلك إلى أن مايكروسوفت غير قادرة على تحقيق استقرارها الذاتي، أفلا يستطيع القائمون عليها أن يقولوا لأنفسهم: "بما أننا نمتلك سوق أنظمة التشغيل والبرمجيات المكتبية، فلنجعل هذه المنتجات أفضل من أي منتج آخر في السوق"؟ إنهم عوضاً عن ذلك ينفقون مواردهم على تقنيات مثل WebTV وMSN ونظام التشغيل الميؤوس منه الموجه للهواتف النقالة. ومن يدري كم من المال ستُضيِّع الشركة على منتجات تقنية .NET بينما يأفل نجم عدد من البرامج الناجحة الأخرى مثل PowerPoint.
يجب على مايكروسوفت أن تتخذ من شركة أدوبي قدوة لها. فهي تعمد إلى تطوير برنامجها فوتوشوب بكل حماس، على الرغم من أن منافسيها قد ولّوا منذ زمن طويل. أما مايكروسوفت فحين ترى أن المنافسة تتضاءل، تبحث فوراً في كيفية الحصول على أكبر قدر من المال وتخفيض نفقات التطوير، وفي هذه الأثناء تتقدم "سلاحف" أنظمة تشغيل المصادر المفتوحة شيئاً فشيئاً.
وأخيراً، لدينا مشكلة برمجيات التجسس، فعلى الرغم من أن مايكروسوفت كانت منفتحة كثيراً فيما يتعلق برخص تنشيط ويندوز وأوفيس إكس بي، إلا أنني أرى أن ذلك سينتهي قريباً، حيث يقول Allchin أن لونجهورن سيحدّث ذاته تلقائياً، أي بدون أي سؤال للمستخدم. إلى أين يقودنا ذلك؟
قدمت مايكروسوفت دعماً كبيراً لقانون UCITA، وهو القانون المروّع الذي يُعطي شركات البرمجيات الحق في التلصص على جهازك وإغلاقه عن بعد. وقد سمعنا أن شركة أبحاث واحدة على الأقل في ألمانيا أثبتت أن مايكروسوفت تجمع معلومات إضافية، أثناء عمليات التحديث وإرسال التقارير حول حالات الخلل. وقد اكتسب تخوفنا هذا مصداقية إثر هجوم شنه "اتحاد برمجيات الأعمال" (BSA)، والذي يعرف كذلك بأنه "شرطة مايكروسوفت"، على جامعة Muenster. فوفقاً لما ذكرته صحيفة The Inquirer البريطانية: (في رسالة إلى الجامعة، قال اتحاد BSA أن "نظامه" اكتشف ملفات
OpenOffice ظناً منه أنها برامج أوفيس من مايكروسوفت). لكن عن أي "نظام" نتحدث هنا بالتحديد؟
التاريخ المحدد لإطلاق نظام لونجهورن هو العام 2005، لكن Allchin يقول أنه غير واثق من أي تاريخ محدد، وهو خبر جيد! أنصحك يا جيم أن تأخذ كل الوقت الذي تحتاجه، فلربما تلاشت كل هذه الأمور حتى ذلك الوقت.