بقلم: حسن م. يوسف
أعتقد أن مجتمعاتنا، في المرحلة الحالية، تمر بنقطة تحول جذرية، بالغة العمق والأهمية! وقد لاحظت بعد دراسة العديد من التحولات الانقلابية، التي صاغت ماضي البشرية، أن من لا يشاركون في صناعة الأحداث وتوجيهها، إما أن يكونوا من ضحاياها وإما أن يكونوا بين المتضررين من رزاياها.
قبل ساعات، من الشروع في كتابة هذه الكلمات، قرأت في إحدى المجلات، دراسة تخصصية، تحاول رسم صورة علمية لمستقبل البشرية، في ظل الثورة الرقمية.
وقد استوقفني مسعى القائمين على أكبر الشركات، في مجال تكنولوجيا المعلومات، فهم يطمحون خلال أقل من سبع سنوات، لتطوير جيل جديد من الحاسبات، تمتاز بقدرات استثنائية تؤهلها القيام بألف تريليون عملية حسابية في الثانية الزمنية! والهدف من صناعة هذه الحواسب الخارقة، مساعدة العلماء في معالجة المسائل العويصة العالقة، التي تتطلب حالياً، لتمثيلها حاسوبياً، زمناً طويلاً جداً، ولا يمكن اختصاره إلا عن طريق الحاسبات الخارقة، ذات السرعات الفائقة.
وقد صرح ناطق باسم شركة كراي الأمريكية المصنعة للحاسبات الإلكترونية، أن شركته قد شرعت في برنامج أبحاث تطبيقية طويلة المدى هدفها تحقيق قفزة استثنائية في سرعة الحواسب الإلكترونية. وتتويجاً لإعلاناتها السابقة كشفت الشركة مؤخراً عن إنجاز أول جهاز من سلسلة الكمبيوترات الخارقة، وقد أسمته "اكس 1". وتأمل الشركة من حاسبها العملاق الذي لن يطرح في الأسواق "أن يكون عتبة للوصول إلى سقف ألف تريليون عملية حسابية بالثانية. وتستطيع المعالجات الموجودة داخل اكس 1 القيام بـ 12.8 مليار عملية حسابية في الثانية". وقد أعلن ستيف سكوت الناطق باسم الشركة أنه "رغم التطور الهائل الذي تم إنجازه إلى الآن على صعيد قدرة وسرعة المعالجة الفائقة، تبقى هناك دائماً مسائل عالقة، لا يمكن حلها إلا بواسطة كمبيوترات سوبر خارقة، مثل محاكاة تأثيرات اصطدام السيارات على الجسم البشري واكتشاف عقاقير جديدة والتنبؤ بالتغير المناخي. وهي مهام تحتاج لكمبيوتر سوبر، قادر على القيام بألف تريليون عملية حسابية في الثانية"!
في ضوء المعلومات السابقة نرى أن عالم المعلوماتية يتطور وفق متوالية هندسية، بينما نحن في البلدان العربية نتطور وفق متوالية حسابية، وهذا يعني أن الفجوة الرقمية بين بلداننا العربية والبلدان الصناعية، تتسع بسرعة فلكية!
والسبب الذي يبطل العجب، هو أن مؤسساتنا التعليمية والعلمية، لا تشجع على البحوث العلمية، كما لو أنها ترف زائد، مما يجعل مؤسساتنا الجامعية، تفتقر للحياة الأكاديمية الحقيقية، بحيث تبدو امتداداً لمدارسنا الثانوية، إذ يمارس فيها الحفظ والتلقين، بحيث يكون معظم خريجيها من المعلمين الملقِّنين، والموظفين الإداريين!
والإشكالية الحقيقية، أن الجهات المعنية بتنمية قطاعات المعلوماتية في جميع البلدان العربية، لم تسمع بالتنسيق، فكل بلد يضع خططه، بمعزل عن جيرانه، رغم تماثل المعطيات الاقتصادية، والأحوال الاقتصادية والاجتماعية!
صحيح أن بعض البلدان العربية قد أنشأت مراكز ضخمة للبحوث العلمية، وجمعت فيها العديد من التقنيين والاختصاصيين الماهرين، وحاولت عن طريقهم تحقيق عدة إنجازات في مجال البرمجيات والمخترعات، لكن تلك المؤسسات لم تنسق فيما بينها، مما جعلها تبدد أموالها وجهودها بسبب تضارب مشاريعها على مستوى البيئة العربية، ففي مجال البرمجيات الحاسوبية أعلم أن عدة جهات عربية كانت تعمل في نفس الوقت على إنجاز مشروع "القارئ الآلي العربي" OCR لكن العاملين في تلك المشاريع لم يستفد أي منهم من جهود الآخرين، وقد ظل الجميع ينفقون الجهد والمال في هذا المجال، ثم تخلى الجميع عن مشاريعهم دفعة واحدة عندما حققت شركة صخر خطوتها الرائدة. وهذا النوع من البحث العلمي الذي لا يتمتع بأي أفق استراتيجي، لا يكتفي بهدر الجهد والمال، بل إنه يهدر الفرصة العربية لتحقيق تنمية معلوماتية حقيقية!
وقد أجرت شركة "بوز الن هاملتون" دراسة ميدانية عن واقع تقنية المعلومات والاتصالات في تسع دول عربية هي جزء من تقرير صدر عن المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يعقد كل عام في مدينة دافوس السويسرية.
ويتضح من خلاصات التقرير الذي نشرته إحدى الصحف اللبنانية، عمق الهوة الرقمية بين الدول والمناطق الجغرافية المختلفة ومن بينها الدول العربية. إذ جاء في ذلك التقرير أن ثلث سكان العالم يمثلون ثلاثة أرباع مستخدمي الإنترنت!، فالفئة الغنية، التي تمثل ثلث البشرية تستحوذ على واحد وثمانين بالمائة من ثروات الكرة الأرضية، ويشكل أفرادها ثلاثة أرباع مستخدمي الشبكة العالمية!
وقد تناول التقرير واقع المعلوماتية في تسعة بلدان عربية، صنفها في ثلاث فئات في ضوء علاقاتها بتقنية المعلومات: فقد صنف الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت في خانة "النمو السريع"، كما صنف كلاً من الأردن ولبنان ومصر والمملكة العربية السعودية في خانة "البلدان الناشئة"، أما سورية وعمان والمغرب، فقد وضعها في خانة الدول النامية. هذا وقد أكد التقرير على اتساع الهوة الرقمية بين دول العالم الغنية، وبقية البشرية، مما يحتم على الحكومات العربية التنسيق فيما بينها والعمل بصورة عاجلة لوضع استراتيجيات لمستقبل تقنية المعلومات والاتصالات.
ولردم الهوة الرقمية في البلدان العربية شدد التقرير على ضرورة نشر الوعي التقني وتوفير خدمة الإنترنت للجميع من خلال دمج المعلوماتية بالمناهج التعليمية وتخفيض رسوم الاتصال بالشبكة.
كما أكد على أن ترعى السلطات السياسية تطوير البرمجيات باللغة العربية وتشجيعها من خلال الرعاية والحماية القانونية وإغناء الشبكة بالمواقع والمعلومات العربية. وأن تسعى من أجل توفير الحواسب للجميع، كما يطالب التقرير الحكومات العربية باتخاذ مبادرات إيجابية وسط فئات المجتمع الأقل إقبالا على الخدمات التقنية، خاصة وأنه في العديد من البلدان العربية ما يزال ثمن جهاز الكومبيوتر يساوي مجموع رواتب حوالي سنة من راتب الموظف الحكومي العادي، الذي لا يكفيه راتبه حتى آخر الشهر أصلاً!
ثمة مثل يقول "القطارات لا تنتظر النائمين" ولعل الزمن هو أفظع قطار في العالم لأنه لا يقف أصلاً!
فهل ستبادر الدول العربية لردم الهوة الرقمية، أم أنها ستكتفي بالوقوع فيها