الفريق العربي للبرمجةأرشيف المنتديات · 2000 – 2023
نسخة أرشيفية للقراءة فقط — التسجيل والمشاركة مغلقان، والمحتوى محفوظ كما كان.

سلسلة مقالات:: صناعة البرمجيات و الدور المنشود في نهضة المسلمين

بدأه Moustafa Mahmoud في 1 أغسطس 2008 · 9 رد · 1,428 مشاهدة · في الأخبار والنقاشات التقنية
مشاركة: واتساب X فيسبوك تيليجرام
#1 صاحب الموضوع

<B>

المقدمة

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم قدوة المسلمين و رحمة الله للعالمين.

و بعد؛

فهذه مقالات بحثية أكتبها على حلقات عن صناعة البرمجيات و دورها في النهضة المادية لأمة الإسلام ، أرصد فيها جانبا من الواقع و حقائقه و أرقامه و ألقي الضوء على جوانب القوة و الضعف و تحليل الفرص و المخاطر ، ثم أرسم تصورا للدورالطليعي المنشود لهذه الصناعة؛ مداخله و آلياته.

لكن في الحقيقة لدي أمران رَغِبتُ في توضيحهما في المقدمة قبل الخوض في غمار البحث؛ و هما :

الأول:

أن أخصص العنوان الذي جاء عاما بأن أوضح أن النهضة التي أعنيها في مقالاتي هذه إنما هي النهضة الحضارية المادية للأمة و التي هي جزء لا يتجزأ من النهضة المدنية 1 الشاملة، مع إطّراح الخلاف التنظيري في كون النهضة المادية سببا للنهضة الشاملة أم نتيجة لها.

أما المقصود بالنهضة المدنية الشاملة فهي النهضة الإيمانية الأخلاقية الروحية بالأساس (إنما بعثت لأتمم الأخلاق) الحديث- و التي لا تغفل الجوانب المادية و تكفل للإنسان التوازن الفطري الوسطي بين العمل لآخرته و عدم نسيان نصيبه من الدنيا ، و تُؤسس لخلافة الله في الأرض و تُهيء السبل لإعلاء كلمة الله في ربوعها، و هذه لا قبل لمثلي بالحديث عنها و قد سوّد في التنظير لها الكثير من علماء الأمة و مفكريها و دعاتها الصحائف ؛ و إن كنت أُدِينُ الله عز و جل أن السبيل إليها يكون في العودة إلى دين الله في الجملة، و العيش على مراده ، و الإشتغال ببناء الإنسان الذي أرسل الله له الرسل و خلق لأجله الموت و الحياة و سخر له الأرض و ما عليها و استخلفه فيها ليبلو الناس أيهم أحسن عملا.

ثم بعد تخصيص العام حري أن نوضح أن النهضة المادية (الجزئية) – و هي المعنية في هذا البحث- نحن مُتَعَبّدُون بالسعي في تحقيقها؛ إذ لا كفاية لهذه الأمة و لا دفع و لا مَنَعة و لا بلاغ لدين الله بحقه إلا بها ، بل لعلي لا أكون مجازفا إن قلت أن وسطية هذه الأمة و شهادتها على الأمم كلها (و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا ) الآية- لا تتم على وجهها إلا بهذه النهضة المادية و التي هي – بقانون الأسباب و السنن – السبيل الواضح لبلاغ دين الله و إعلاء كلمته ، و من المقرر أن ترك الأسباب قدح في الشريعة، و قد عُلم لدى المهتمين بالنهضة من أئمة المسلمين و مصلحيهم و أفرادهم و طلائع صحوتهم عظم الفجوة الحضارية المادية بين المسلمين و بين غيرهم من أمم العالم قاطبة ، التي انتهت بنا إلى الإنفراد بتذيل قائمة أمم في الأرض و تحقق وضعية (القصعة) إزاء أكلتها كما أنبأنا الصادق المعصوم.

الثاني:

الإشارة إلى كون مصطلح (النهضة الحضارية) للأمة من المصطلحات التي تعرضت للإختطاف 2 إذ أُخرجت عن سياقاتها الشرعية من قبل فريق من المنهزمين نفسيا أمام الحضارة الغربية استأثروا إلى حد بعيد بالمصطلح و قوّلبوه ليحمل معان محصلتها أن النهضة المنشودة إن هي إلا نسخ للتجربة الغربية و إستحضار لمعاركها الفكرية و مواقفها تجاه المطلق و النسبي .

و يعنينا في هذه الإشارة أن المتوجه في حقنا هو أن لا نهجر أصل المصطلح الذي يمكن استخدامه كقالب لمعنى شرعي صحيح الأصل، بإبرازه في سياقه الصحيح المتسق مع المقصد الشرعي للدين الذي أنزل على محمد صلى الله عليه و سلم كما فهمه الصحب الأولون و من تبعهم من القرون الفاضلة لا المقصد الشرعي لمن يريد أن يلوي أعناق النصوص ليصنع من الإسلام صورة يُرضي بها أهواء الغرب.

ثم أختم المقدمة بتوضيح أنني لا أتوجه في هذه المقالات بحديثي إلى المختصين و المهتمين و العاملين بهذه الصناعة فقط و إنما إلى كل الصادقين من أبناء هذه الأمة الباقية إلى أن يرث الله الأرض من الدعاة و طلبة العلم و شباب المدارس و الجامعات و طلائع الصحوة المباركة ممن أرقهم الهم ّ النهضوي، و اغتموا لما رأوا خير أمة أخرجت للناس تستجدي لقمتها من سارق ثرواتها و تبحث عن أمنها في أكناف من استباح بيضتها ، و ترجو النصر على عتبات عدوها.

أتوجه إليهم و بغيتي خلق الوعي بأهمية الدور الذي من الممكن أن تلعبه صناعة البرمجيات في نهضة المسلمين، أتوجه إليهم طالبا تجاوز أزمة سوء تخصيص الموارد البشرية الذي عانت منه الصحوة الإسلامية سنين عددا، أتوجه إليهم آملا أن نتجاوز جميعا العقبة الفكرية و المنهجية الكؤود المتمثلة في الفصام بين العمل الدنيوي و الأخروي .

هؤلاء هم من يعنيني أمرهم و أتوجه إليهم بحديثي ، راجيا التوفيق من الله عز و جل ، ناسبا الفضل أولا و آخرا له وحده، سائلا إياه العفو عن الزلل و الخطأ و النسيان.

( يُتبع إن شاء الله)

_________________________________________

1 التفرقة بين الحضارة و المدنية مذهب كثير من الباحثين في شئون النهضة ، و مدار التفريق عندهم على نسبة الجوانب المادية الملموسة إلى مصطلح الحضارة ، و نسبة الجوانب المعنوية والأخلاقية إلى مصطلح المدنية

2 هذا أمر قد تكرر حدوثه في بعض المصطلحات المتداولة و التي يمكن قبولها عند ردها إلى معانيها الشرعية - إذ لا مشاحة في الإصطلاح - كمصطلح (تجديد الخطاب الدعوي أو الديني)، و ليس هذا محل تفصيل أو تفنيد لهذا لخلط الحاصل.</B>

#2

بالتوفيق ان شاء الله

#3

السلام عليكم

إلى حد الآن أرى الكلام شبه نظري

أتمنى من الله أن يوفقك لما ترموا إليه

في إنتظار الكلام المفيد

تحياتي

حزمة المحرك الإصدارة 0.8

أي أحد يجد أني ظلمته فليراسلني

وبإذن الله لو كان له حق سيأخذه

728x90.png

#4

الأستاذ أحمد الباز

جزاك الله خيرا على التمنيات الطيبة، أسعدني مرورك و اهتمامك

الأستاذ علاء ضياء

شكرا على المرور و المتابعة، برجاء متابعة الحلقات القادمة إن شاء الله، و يراعي النظر إلى المقالات و تقييمها من الجانب التي التزمت به؛ ألا و هو خلق الوعي اللازم عند عموم المسلمين تجاه أهمية صناعة البرمجية و الميزة التنافسية التي نملكها كأمة.

#5

تصدق يا أخي أول واحد يفهم الاسم على طول

حضرتك بتعرفني مسبقاً :rolleyes:

في انتظارك

تحياتي

حزمة المحرك الإصدارة 0.8

أي أحد يجد أني ظلمته فليراسلني

وبإذن الله لو كان له حق سيأخذه

728x90.png

#6

السلام عليكم

جزاك الله خيرا أخي مصطفى محمد

طبعا مما لا شك فيه أن النهضة الإيمانية يجب أن تسبق النهضة المادية ، حتى يكون هناك أساس أو قانون تُستخدم فيه المادة، وإلا سيتم استخدام المادة من أجل زبادة المادة ، والتي هي ناتج شهوة موجودة بداخل كل إنسان ، ألا وهي شهوة حب التملك والسُّلطة ، وما إن تتحكم الشهوة فلن تعبأ بما تخلفه من دمار أو خراب ، حيث أنها تتحول كسياط في يد الشيطان بعد أن كانت جندي من جنود النفس ، ومن ثم فلن يشغر الإنسان بأي نوع من أنواع الشعور بالذنب أو الندم ، نسأل الله تعالى العافية.

المشكلة عندنا ليست أننا تخلفنا عن الركب ، بل لأننا لم نكن صادقين مع أنفسنا ، لأجل ذلك استطاع الغرب أن ينكل بنا .

والغرب لم يتقدم علينا بسبب ما يمتلكه من ثقافة أو حضارة ، بل تقدم لأننا تركنا له المجال ، ظنا منا أنهم لن يسبقونا ، بالإضافة أنهم عرفوا ما يريدون وعملوا له.

فهم أرادوا الدنيا والتمتع بها إلى أقصى حد ، وأظهروا نظريات أن الإنسان سيد نفسه أو سيد الكون ، ومن ثم فله حق صياغة قانون يحكم بنفسه على نفسه ، وليس لأحد أن يفرص عليه قانون حتى لو كان هو الله تعالى جل في علاه، لذا فالله تعالى أعطى لهم كل ما يريدون لأنهم صارحوا أنفسهم بالحقيقة وعملوا لها فعلا ، فكانوا على الأقل صادقين مع أنفسهم.

أما نحن فقد ادعينا أننا مسلمون ، وهذا الادعاء لا بد له من دلائل تعضده ، أهمها أن تلزم نفسك منهج الله تعالى أو على الأقل أن تعترف بتقصيرك ، ولا تتهكم على الآخرين الذين يحاولون التحرر بالالتزام بشرع الله تعالى ، نعم هو تحرر من عبودية الشهوة والشيطان والخلق.

فخرج علينا أناس من بني جلدتنا ، يدعون الإسلام ، ثم يقولون أن الإسلام لو دخل في الحياة المدنية أفسدها ، ثم تسأل هذا المغفل وما الذي سيصلح الحياة المدنية ، سيقول لك العلمانية ، ثم تسأله أيها المغفل كما مر علينا من الزمن ونحن لا نُحكم بشريعة الله تعالى ، في مصر على سبيل المثال ، أصبحنا نُحكم بقانون فرنسي منذ أواخر القرن التاسع عشر ، يعني أصبح لنا قرابة قرن وأكثر ، ونحن في تدهور مستمر وعجيب وخطير ، فماذا صنعت لنا العلمانية.

من ادعى الإسلام فلا بد أن يقر بالمنهج الإسلامي كحل لكل المشاكل (الاجتماعية ، المادية ، العلمية، إلخ) حتى لو لم يطبقه بصورة كاملة فالإنسان خطّاء بطبعه ، ومن ينادي بتحني الإسلام ، فليخرج ويقول أنه كفر بالإسلام ، حتى يستبين لنا الأمر ، ولا يلتبس على الناس. فالله تعالى يقول ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يكون في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)).

وتجد هؤلاء العلمانيون أو المغفلون ، ينادوا لك بأفكار أشخاص من الغرب ، (الله أعلم بأحوالهم ، حيث أن منهم من هو مضطرب نفسيا أو شاذا وما إلى ذلك) ثم يريد أن يلزمنا بأفكاره ، أهذا عقل بالله عليكم؟ طيب لماذا تلزمنا بأفكاره ولا نلزمه نحن بأفكارنا؟ ألا تشغر بشيء من الغيرة أن تكون محكوم بأفكار من هو ند لك بل أقل منك ؟

بالإضافة إلى أنه كانت هناك حضارة لم يشهد لها التاريخ مثيلا ، ألا وهي الحضارة الإسلامية ، فقد جمعت بين الدين(الأخلاق) وبين العلم و المادة بصورة رائعة ومزيج عجيب ، فيا ترى ما سبب هذه الحضارة ؟ وكيف أصبح أناس رعاة غنم سادة الأمم ، بل وخضعت لهم دول الأرض واعترفت لهم بالسيادة وبالعلم والحضارة.

بل لا يستطيع أحد أن ينكر أن الموروث الثقافي في الأندلس هو كان السبب الأوحد لتقدم أوروبا ، وهكذا يعترف عقلاء الغرب.

كفى تشدق بالغرب ، والنظر على أنهم سادتنا ، وعلماؤنا وأنهم كل شيء.

أي إنسان توفرت له الحرية والراحة ستجده مبدعا ، لأنه لا يلقي بالا من أين سيأكل أو سيسكن ، أما لو لم يجد قوت يومه ، ويشعر أنه دائما مهدد في أمنه ، فأنى لعقله أن يستقر لكي يتعلم فضلا على أن يبدع .

لو توفرت لنا الحرية فقط ، ستجد أحوالنا تتحسن بشكل تلقائي.

لو توفرت لنا الحرية فقط ، ستجد أن الإسلام سيعود بقوة.

لو توفرت لنا الحرية فقط ، ستجد أننا سنصبح سادة العالم في الأخلاق والعلم والعمل

وأعداؤنا يعلمون ذلك جيدا ، لذا لن يمنحوك هذه الفرصة ، (رغم أنهم يتشدقون بالحرية ذرا للرماد على العيون) لذا يجب علينا انتزاعها منهم ، بكل ما أوتينا من قوة.

والسلام عليكم

System Engineer

Red Hat Certified Engineer

Red Hat Certificate Number

805010381752078

#7

الأستاذ علاء ضياء

حياك الله أخي الكريم

حقيقة لم يكن لي سابق معرفة بك؛ و لكني أسعد بهذا بلا شك

و الإسم أراه مقروئا جدا

الأستاذ المكرم برق

و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته

انشرح صدري لتعليقكم حقيقة ، فالهمّ الذي تحمله في صدرك بادٍ بين ثنايا سطورك - أسأل الله عز و جل أن ينفع بك الإسلام و المسلمين- ، و تعليقي على ماختمت به تعليقك أخي العزيز هو أنني أسلم لك بحتمية انتزاع الحرية انتزاعا، لكن يبقى الخلاف النظري قائما ، هل الحرية سبب و النهضة المادية نتيجة ؛ أم العكس؟ - قد أشرت لذلك في المقدمة - حول النهضة المادية و النهضة الشاملة ،

و لهذا التنظير أصل في كتابات المفكر الجزائري مالك بن نبي حول فكرة ( القابلية للإستعمار) هل هي سابقة للإستعمار أم أن الإستعمار سابق لها

و أرى أن لا يأخذنا مثل هذا التنظير عن أصل حتمية الفعل و الحركة على كل المحاور، و في هذا ملحظ خفي .. يشير إلى أهمية تكامل العمل الإسلامي ( و لكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات) ، فانتزاع الحرية و السعي للنهضة المادية صنوان

و الله غالب على أمره

محبكم

مصطفى محمود

تم تعديل هذه المشاركة بواسطة Moustafa Mahmoud في 3 أغسطس 2008 في 12:23

#8
اقتباس
لو توفرت لنا الحرية فقط

ليس الحرية فقط بل العدل ايضا

اقتباس
لهذا التنظير أصل في كتابات المفكر الجزائري مالك بن نبي حول فكرة ( القابلية للإستعمار) هل هي سابقة للإستعمار أم أن الإستعمار سابق لها

و أرى أن لا يأخذنا مثل هذا التنظير عن أصل حتمية الفعل

هذا صحيح

وعلى قول احدهم شيئ مثل

"كنت اعرف ان الذئب يتلذذ باكل الخراف، لكني لم اكن اعرف ان الخراف ايضا تتلذذ حينما ياكلها الذئب!"

d4baa0.gif
#9

(الحلقة الثانية)

ماهي ..صناعة البرمجيات؟

أضع هذا العنوان الإستفهامي تأسيسا على ما ختمت به مقدمة البحث من كوني أتوجه بحديثي – في معظمه - إلى غير المتخصصين في صناعة البرمجيات

و البحث كما سبق أن أشرت يأتي في سياق يمكن تصنيفه - كمدخل إلي دراسة جدوى إقتصادية - مُقدّم إلى أمة المسلمين دفعا لها نحو إستثمار فصيلا من أغلى مواردها – البشر؛ من خيرة أبنائها؛ الشباب أصحاب الهمّ الديني النهضوي – في صناعة البرمجيات سعيا وراء الأخذ بعصا الريادة فيها، و نفضا لغبار التبعية ؛ قياما بما أوجبه الله علينا

، ولما كان ذلك كذلك؛ كانت الإجابة على هذا السؤال – ما هي ... صناعة البرمجيات؟ - مدخلا لفهم باقي أجزاء البحث و دلالات أرقامه و إحصائياته؛ إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره

.

، و قد اعتنيت في إجابتي بتقريب المعنى و سَوْق الأمثلة لمن هو من غير أهل الصناعة؛ توضيحا لماهية البرمجيات أكثر من إعتنائي بدقة التعريف علميا بأن يكون جامعا (لكل ما يندرج تحت مسمى البرمجيات) مانعا (لغيره مما لا علاقة له بها) فهذا موضعه الكتابات الأكاديمية المدققة – و لستُ من أهلها – ، فيراعى عدم الوقوف عند الخلافات الإصطلاحية إذ لم أشترط تحرير ذلك.

و الآن إلى الإجابة

صناعة البرمجيات Software Industry :

في أبسط التعريفات الممكنة لها هي مجموعة الأعمال و الأنشطة المعنية (بإنتاج) برمجيات الحاسوب و (صيانتها) و (نشرها) و (إدارة محتوياتها) ، و الخدمات المتعلقة بهذا الإنتاج مثل)التعليم) و (التدريب( و (الإستشارات)

و قد بدأت هذه الصناعة- الحديثة نسبيا- في منتصف السبعينات ، مع ثورة انتشار الحواسيب الشخصية Personal Computers (PC) ، و يعد وادي السليكون بكاليفورنيا هو أهم مراكزها الجغرافية،و الولايات المتحدة الأمريكية أهم الدول المنتجة لها.

و تحسن هاهنا الإشارة إلى أن تصنيع الحواسيب أو مكوناتها المادية Hardwareغير داخلة في نطاق صناعة البرمجيات – على الأقل الشريحة الأعظم من أنشطتها- فهذا شأن آخر و غير داخل في موضوع بحثنا.

فماهي برمجيات الحاسوب Computer Software ؟

هي كل النظم و البرامج و الإجراءات و الأوامر المسئولة عن تشغيل الحاسوب مما ليست من مكونات الحاسوب المادية Hardware.

و حتى تتضح ماهية البرمجيات؛ نلقي الضوء على التصنيفات المختلفة للبرمجيات، فنسوق مثالا أحد نظريات تصنيف البرمجيات و التي تقسمها إلى ثلاثة أقسام ، و أثناء ذلك نعرض أمثلة من الواقع لكل صنف ، و معلوم أن هذه ليست هي الطريقة الوحيدة لتقسيم البرمجيات و إنما الطرق كثيرة و تختلف بحسب منظور التناول:

الأول: برمجيات الأنظمة System Software

و هي المسئولة عن تشغيل مكونات الحاسوب بشكل مباشر كأنظمة التشغيل Operating Systems وأمثلتها من الواقع (ويندوز Windows ، لينوكسLinux ، يونكس Unix ) ، أو تعريفات مكونات الحاسوب Device Drivers

و يمكن تلخيص دورها في أنها تعزل التطبيقات البرمجية Software Applications عن التعامل مع الآلة و اللغة البرمجية الخاصة بها Machine Language

، و وظيفتها هي توفير بيئة الخدمات التي تحتاج إليها التطبيقات البرمجية Software Applications للتخاطب مع المكونات المادية Hardware للحاسوب؛ مثل المعالج المركزيCPU أو الذاكرةMemory أو أقراص التخزين Hard Drives و غير ذلك من مكونات الحاسوب.

و يمكن إدخال البرمجيات المدمجة بالأجهزة embedded software تحت هذا التصنيف أيضا، و مثالها البرمجيات الموجودة على سنترالات الهواتف (تسمى البدالات في بعض البلدان العربية) و عالميا معروفة باسمPBX .

الثاني : التطبيقات البرمجية Software Applications

و هي تمثل روح الثورة البرمجية على الحقيقة؛ بما نراه من تغلل لها في كل مظاهر الحياة حولنا

و أمثلة التطبيقات البرمجية لاحصر لها؛ فمثلا التطبيقات المكتبية (وورد MS Word ، و اكسل MS Excelو باوربوينت Power Point ) و التطبيقات خاصة بالرسم هندسية ( أوتو كاد) Auto Cad ، و تصميم الجرافيك و رسم (فوتوشوب Photo Shop فري هاند Free Hand)، و ألعاب الكمبيوتر Computer Games، تطبيقات إدارة منظمات الأعمال ERP (الخاصة بالإدارة المالية و المبيعات و المشتريات و المخازن و الإستيراد و نحو ذلك ) ، و خدمة العملاء CRM، ومراكز الإتصالات Call Centers ، و تطبيقات التصنيع ( إدارة المصانع بجميع أنشطتها) ، و البرامج الطبية بتقسيماتها العديدة .

و يمكن أن نقسم هذا النوع من من التطبيقات إلى نوعين رئيسيين؛ من حيث تقنية الإنتاج و نطاق التشغيل:

أ‌- برمجيات سطح المكتب
Desktop Applications

و مثالها هو كل ماذكرت من التطبيقات أعلاه

ب‌- تطبيقات تعمل بالتقنية العنكبوتية Web –based Software

سواءا كانت تعمل في بيئة الإنترنت الدولية ، أو البيئات المحلية المعروفة بالإنترانت Intranet و أمثلتها لا حصر لها ، إذ يكفي أن نعرف أن كل مظاهر ثورة التواصل على الشبكة العنكبوتية التي يشهد العالم ذروتها في السنوات الأخيرة هو أحد تجلياتها، فكل مواقع الإنترنت بدءا من عملاق محركات البحث جوجل Google ، انتهاءا بهذا الموقع الذي أستخدم مدونته لأكتب لكم من خلالها وورد برسWord Press ، إضافة إلى نسبة كبيرة من البرمجيات التخصصية لإدارة مؤسسات الأعمالWeb-Based Enterprise Applications التي تعمل بالتقنية العنكبوتية .

الثالث: برمجيات البرمجةProgramming Software

وهي البرمجيات المساعدة في عملية إنتاج البرمجيات Software Development نفسها؛ و مثالها:

برمجيات إدارة قواعد البيانات Database Management Systems DBMS

برمجيات بيئة البرمجة المتكاملة Integrated Development Environment IDE، و التي تحتوي بدورها على مولد المترجمات Compiler و محرر اللغة البرمجية Editor و الأدوات البرمجية Tools المختلفة التي يحتاجها المبرمج أثناء عمله.

و كما أسلفتُ فإننا نراعي في الإجابة على الأسئلة الإختصار و التبسيط سعيا وراء الهدف الأساسي لهذا البحث؛ لذا لم أتطرق فيها لقضايا فرعية كالتفريق بين البرمجيات مفتوحة المصدر Open Sourceو البرمجيات ذات الحقوق المحفوظة (غير مفتوحة المصدر) ، و لم أرد الدخول في الجدليات الدائرة حول الممارسات الإحتكارية للشركات الكبرى كمايكروسوفت و غيرها ، أو التنظيرات الخاصة بشرعية مبدأ حقوق الملكية الفكرية من عدمها و نحو ذلك .

، فما يعنينا هو سلوك سبيل الإنتاج بأنفسنا لنقدم البديل الخاص بنا و نؤسس نحن للمبادىء و الأصول الشرعية المناسبة – و هذه بحاجة إلى بحث مستقل-

فتركيزنا كما أشرنا أكثر من مرة هو إلقاء الضوء على معالم أحد أهم الأنشطة الإقتصادية على سطح الأرض في زماننا المعاصر، و الميزة النسبية التي نملكها لإتخاذها منطلقا – لشباب الأمة – على سبيل النهضة .

و استكمالا لتوضيح ماهية صناعة البرمجيات؛ نسأل سؤالا آخر:

ماهي هندسة البرمجيات؟

استقر في وعي غير المتخصصين – بل و نسبة ليست قليلة من العاملين في المجال- أن (المنتج البرمجي) أو (البرنامج)كله نتيجة عمل يد مبرمج Programmer أو (مطور Developer )[1] وحيد أو في أحسن الأحوال مجموعة من المبرمجين يوزعون العمل فيما بينهم كل بطريقته ، و أن (المنتج البرمجي أو البرنامج) كلما كبر حجمه كلما زاد عدد المبرمجين العاملين فيه و حسب

و هذا الأمر من أشد موارد الخلط ، ففريق البرمجيات يتكون من مجموعة أفراد ليسوا كلهم من كتبة الكود [2] البرمجي Coders ، بل إن الكثير من أهل هذه الصناعة كمحللي النظم Business Analysts مثلا قد لا يجيدون مفردات أي لغة برمجية – و كاتب هذه المقالات أحد هؤلاء -

فممن يتكون فريق العمل في صناعة البرمجيات إذا ؟

مجموعة وظائف عدة – ليسوا كلهم من كتبة الكود كما أسلفنا – فمنهم (مديرو برمجة) Development Managersو (مديرو مشاريع) Project Managers و (محللون للنظم) Business/System analyst و (مسئولو التصميم المعماري) Software Architect و (مبرمجون) – هم كتبة الكود- Developers و ( مصممو واجهة المستخدم) UI designers/usability Engineer و (مصممو جرافيك Graphic Designers ) و (مسئولو اختبار جودة Testers/QA ) ، مسئولو ضبط وضعيات العمل Configuration Managers ، و آخرون

فهذا نموذج للتنوع في فريق البرمجيات، أو بتعبير آخر ؛ نموذج للوظائف داخل فريق البرمجيات ، قد يقوم بكل وظيفة من هذه الوظائف شخص واحد أو عدة أشخاص، و قد يجمع شخص واحد بين عدة وظائف منهم ، وهكذا، فالأمر فيه مرونة بحسب كل مشروع

هذه نقطة

النقطة الثانية ، و هي الأهم؛ أن أدبيات هذا العلم (هندسة البرمجيات) تدندن أغلبها حول مفهوم (العمل الجماعي) ، فأذكى مبرمجي العالم و أجودهم إنتاجا و أبدعهم أفكارا لو ظل عمره كله يعمل وحده كفرد و لم يتعرض لمنظومة العمل الجماعي فلن يكون له في هذا الفن شأنا و لا هو مخاطب به أصلا و هذه نقطة محورية في هذه الصناعة و في بحثنا سينبني عليها تصحيحا لكثير من التصورات .

(يتبع) إن شاء الله

[1] مصطلحي (المبرمج Programmer) و ( المطور Developer) على الأغلب يشيران لمعنى واحد، و يوجد مصطلح ثالث لهما و هو coder لكنه غالبا يأتي في سياق الإشارة إلى ضيق نطاق إنتاجه و اختصاصه بكتابة الكود فقط لا غير.

[2] المقصود بالكود هو مفردات اللغة البرمجية

#10

(الحلقة الثالثة)

صناعة البرمجيات .. لماذا؟

ماهي (الميزة النسبية) التي تختص بها صناعة البرمجيات ؟ و كيف يمكن إستغلال هذه الميزة كمنطلق لنهضة مادية ؟

لماذا ينبغي علينا أن نركز في إستثمار مواردنا البشرية على صناعة البرمجيات دون غيرها من الصناعات أو الأنشطة الإقتصادية الأخرى؟

لماذا لا نتعرض بالدراسة لصناعة الإلكترونيات مثلا أو صناعة السيارات أو الطائرات أو التعدين أو حتى الطاقة النووية بتطبيقاتها كمنطلق للإستثمار في أبناء هذه الأمة على سبيل النهضة ؟

هذه نماذج لسؤالات - من المنطقي- أن تدور في ذهن القارىء

والإجابة عليها ستأتي على هيئة إضاءات على آفاق الميزة النسبية لصناعة البرمجيات التي تتفوق بها على غيرها من الصناعات .

لكن ثمت تمهيد ينتظم في النقاط التالية :

هذا البحث مبني على فرضية إرتكازية– أي أنه لما كانت هذه الفرضية مُسَلّمٌ بها كان هذا البحث - فلو كانت هذه الفرضية متنازع في ثبوتها؛ فالبحث ينبغي أن تكون له وجهة أخرى حينئذ؛ هذه الفرضية هي :

أن هناك موردا اقتصاديا هاما تملكه أمة الإسلام و هو فصيل من شبابها الواعي الصادق المتقدّ حماسة، المهموم بقضية النهضة، المدفوع بالرغبة في البذل و التعلم و التضحية و مواصلة الليل بالنهار، هذا الفصيل تاه في دروب الحياة أو كاد، استسلم للتناقض الظاهر بين ضرورة الحصول عل فرصة عمل بغرض التكسب و العيش و بين الرغبة الصادقة لخدمة دينه و أمته، و هذه الفرضية لو قمنا بصياغتها اقتصادية فسنقول:

إننا لدينا موردا اقتصاديا هاما، و هو البشر .. و نحن بصدد المفاضلة بين عدة مشروعات استثمارية لإستغلال هذا المورد في المشروع الأكثر ربحا نهضويا – أي تحقيقا لمجموعة الأهداف المسببة للنهضة المادية لأمة الإسلام-

من البَدهي أنه ليس من مقاصد هذا البحث أن يقدم البرمجيات كبديل شامل يُستغنى به عن غيرها من الصناعات و الأنشطة الإقتصادية الأخرى، إنما المقصود هو أن تتبوأ مكانة الصدارة في سلم الأولويات الإستثمارية.

إذ أنه في مقام المفاضلة الإقتصادية؛ الصحيح أن ننظر في (الميزة النسبية) المتوفرة بكل صناعة؛ و لا ينبغي أن يكون معيار المفاضلة هو (الأهمية الذاتية) للصناعة – و فقط - فمثلا؛ الطاقة النووية و تطبيقاتها بما فيها السلاح النووي – كسلاح رادع - قد لا يختلف كثيرٌ منا في كونها هي في ذاتها أهم من صناعة البرمجيات؛ فيقال ينبغي لنا الدفع في اتجاهها لتفضلها على ما سواها، و هذا ما نزعم أنه غير صحيح بإطلاق فمعيار المفاضلة هو ( الميزة النسبية)، و في تقديري أن هذه القضية محسومة إقتصاديا.

· إن أهم ما يقوم به المستثمر عند إتخاذ القرار الإستثماري أمران هما:

النظر و الحكم على
الميزات النسبية
التي يتمتع بها كل بديل إقتصادي – أي مشروع إستثماري متاح - أمامه في ظل الموارد المتوفرة لديه

تقييم تكلفة كل مشروع من المشروعات المطروحة كبدائل من منطلق
تكلفة الفرصة البديلة
، (و مفهومها ببساطة
يظهر بالمثال: أن رجلا يملك 100 ألف جنيه يرغب في استثمارها و أمامه فرصتان للإستثمار الأولى شراء قطعة أرض و إستزراعها و الثانية شراء مصنع للأواني البلاستيكية، إن هو اختار الأولى ، فقد ضحى بالثانية و تُقوّم تكلفة الفرصة الأولي بقيمة تكلفة الفرصة الثانية المتروكة و هذا هو ما يعرف اقتصاديا
بتكلفة الفرصة البديلة
)

بالنظر إلى واقع أمة المسلمين اليوم نجد أنها لا تمتلك
الميزة المطلقة
في صناعة البرمجيات بطبيعة الحال و لا حتى
الميزة التنافسية
، و إنما تمتلك
الميزة النسبية
(المُقَارَنَه)
– و هو ما يحاول هذا البحث إثباته – و تلك الميزة النسبية يراد لها أن تتحول إلى
ميزة تنافسية
و هو ما ينبغى الدفع في إتجاهه
.

إضاءات على آفاق (الميزة النسبية) لصناعة البرمجيات:

أولا
:
البرمجيات صناعة بلا أسرار:

البرمجيات كغيرها من الأنشطة الصناعية و الإقتصادية بشكل عام؛ الفجوة العلمية و التطبيقية فيها بيننا و بين الدول الصناعية الكبرى سيما الغرب كبيرة جدا

لكن
حجم الفجوة
التقنية
ليس واحدا في جميع الصناعات، بل متفاوت جدا، فمثلا الفجوة في مجال أبحاث الفضاء و إرتياده و صناعة الأقمار الصناعية أكبر بكثير من الفجوة التي بيننا و بينهم في صناعة المنسوجات مثلا

و من ثم فإن
القدرة على تضييق الفجوة
التقنية
بين كل صناعة عندنا و بين نظيرتها في الغرب تتفاوت بدورها؛ و هذا التفاوت له عدة مسببات؛ أحد أهم و أخطر هذه المسببات هو مدى إحتكار الغرب و كتمانه
للأسرار
العلمية و التطبيقية في كل صناعة على حده
.

و قضية الإحتكار التقني و العلمي في ظل الرأسمالية الحاكمة أشهر من أن يدلل عليها؛ فمن أول صناعة مركبات الفضاء و صناعة الطائرات وصولا إلى التعدين و الطاقة النووية و الطب بمجالاته و الكيمياء بتفريعاتها و صناعة المعالجات المركزية للحواسيب، و صناعة السلاح وصولا إلى مشروب الكوكاكولا، يعتبرونه سرا عظيما يمس أخص خصوصيات أمنهم القومي رأسا.

و على هذا ينبغي أن يفهم أن
القدرة على تضييق الفجوة
ستضعف جدا في صناعة تحتوي على نسبة كبيرة من الأسرار العلمية التي تمس الأمن القومي لأحد الدول مثلا – كسلاح الردع النووي مثلا- عنها في صناعة أخرى ليس فيها هذا القدر من الأسرار كالصناعات الغذائية مثلا.

و مما يذكر في هذا السياق أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها
قائمة حظر تصدير
رسمية تتضمن عددا من التقنيات و الصناعات – و هي تحظى بأعلى مستويات العناية في سلم الأمن القومي الأمريكي– هذه القائمة تعرف باسم قائمة الصادرات المحظورة أو المُتحكم فيها
Controlled-Export list

في خبر نشر العام الماضي بجريدة النيويورك تايمز
؛ أن شركة صينية تقدمت بعرض لشراء شركة سيجيبت
Seagate الأمريكية ( أكبر مُصنّع لأقراص الحاسوب الصلبة في العالم )

هذا العرض الصيني تحول إلى مادة للجدل و التصعيد في الحكومة الأمريكية نظرا لما يمثله من خطر على الأمن القومي الأمريكي جراء نقل هذه التقنيات إلى جمهورية الصين.

المثير في هذا الخبر ليس مبدأ منع البيع أحد شركات التقنية للتنين الصيني خوفا على أسرار التقنية، إنما العجب أن تقنيات تصنيع الأقراص الصلبة غير داخلة في (قائمة حظر التصدير) من الأساس، و رغم ذلك فقد جُوبه العرض بهذه الدرجة من الممانعة و الحساسية المفرطة، فما بالنا لو أن الأمر فيه تقنية أو صناعة محظور تصديرها بالكلية من الأصل !

أما البرمجيات فليست كذلك؛ فهي بلا أسرار تقريبا....

فأبجديات العلوم البرمجية و دقائقها منثورة متداولة ، و كتب البرمجيات في متناول أيدي حتى فقراء العالم، و إن الشيء المغلق – و لا أقول السري - الوحيد في
منتجات
هذه الصناعة هو ما يعرف (بالمصدر
Source Code
)، و الكتمان هاهنا ليس الغرض منه إخفاء سر علمي و لا كيفية تقنية بقدر ما هو منع من الإستيلاء على المصدر البرمجي بما يمثله من خسارة تجارية ضخمة للشركة المالكة؛ فإن سرقة مصدر أحد البرمجيات لو تم فإنه يعني ببساطة أن السارق يمكنه أن يطرح إصدارا جديدا من هذا المصدر المسروق في الأسواق تحت علامة تجارية جديدة .

و أخطر ما يتم المنع من الإطلاع عليه لا يعدو أن يكون التصميم المعماري
Software Architecture لأحد البرمجيات أو في أدق الأحوال مجموعة خوارزميات Algorithms
- أو المعادلات الحسابية - التي تخص أحد البرمجيات، أما مادة هذه الصناعة الخام (لغات و قواعد بيانات و تقنيات و أدوات ..الخ) فمتاحة لكل أحد و لا أسرار فيها

بل حتى هذ المبدأ - كتمان و حفظ
مصادر البرمجيات
Source Code
- و هو ما قررنا أنه لا يعد سرا علميا من أسرار الصناعة- له مناؤون كُثر في شتى أنحاء العالم من أنصار ما يعرف بـ
البرمجيات مفتوحة المصدر
Open Source
؛ و هم مجموعات من النشطاء الداعين إلى العمل بدون مصادر مغلقة، و يشكلون ما يشبه المنظمات الأهلية غير الحكومية و لهم مؤتمرات دورية على نطاقات واسعة .

فإن كان الأمر كذلك فقد يَعجب البعض ويتسائل:
إن كان ليس ثمت أسرار علمية و لا خفايا تقنية يستأثر بها الغرب ؛ فما هو معيار التفوق و الريادة إذا في هذه الصناعة الفريدة ؟

لو ضربنا مثالا شركة جوجل (محرك البحث العملاق) – و هي أحد مفاخر صناعة البرمجيات في العالم بحق – نجد أن عظمتها ليست فقط في مجموعة المعادلات أو الخوارزميات أو التقنيات البحثية التي تستخدمها و لا حتى في التصميم المعماري البديع لبرمجياتها أوالتوزيع العبقري لخوادمها؛ ليس هذا – فقط - هو ما يُعجز الآخرون أن يلحقوا بها؛ و إنما يضاف إلي كل ماسبق ما هو أهم منه؛ و هو مرونة الكيان البرمجي و حيوية الهيكل الإداري للشركة الذي يسمح بإنسيابية صعود الإبداع من حيز الفكرة من أدنى السلم الإداري – أصغر مبرمج بالشركة – إلى مستوى إتخاذ القرار التنفيذي في سرعة مبهرة بمعنى الكلمة، إضافة إلى الروح الوثابة التي تميزت بها هذه الشركة من أول يوم لتأسسيها على يد الشابين الصغيرين خريجي هارفارد؛ سيرجي برن و لاري بيج .

بناءا على ما سبق يظهر لنا أن البرمجيات صناعة بلا أسرار تقريبا، و عليه فإن أسهمها ترتفع جدا في قائمة الصناعات التي لدينا فيها
قدرة نسبية عالية
على تضييق الفجوة التقنية
بيننا و بين الغرب ، إذ أن أمرها بأيدينا، و لايملك أحدٌ ما يمنعنا منه فيها و هذه نقطة محورية.

و هذه النتيجة تمثل تحديا عظيما بذاتها، تحديا لعزيمتنا كبشر، و إختبارا لصدق رغبتنا في إحداث التغيير، فصار الأمر - من عند أنفسنا 100% هذه المرة؛ و أنا أعني هذه النسبة حرفيا، و حريٌ بنا في هذا المقام أن نتمثل هذا المعنى القرآني جيدا (قل هو من عند أنفسكم).

و لمّا كان هذا البحث متوجه إلى شباب صادقي العزم – و هذه هي فرضيته –
ثم كانت التبعة فيه ملقاة عليهم و خيوط اللعبة بأيديهم؛ هان عليهم الخطب و استبشروا فإن الجدّ و الإجتهاد بضاعتهم .

ثم إن خطوات التحرك العملية سيفرد لها بعض أجزاء البحث القادمة إن شاء الله

ثانيا
:
كل الصناعات و الأنشطة الإقتصادية الأخرى بحاجة إلى البرمجيات و لا عكس :

مهلا عزيزي القارىء؛ تفكر في هذا العنوان قليلا – من فضلك - ثم أجب على السؤال اللآتي:

ما هو النشاط الذي تمارسه في حياتك اليومية، و ليس للبرمجيات فيه دور؟

إنك تقرأ مقالتي هذه بواسطة برمجيات و لو علقت عليها فستعلق بواسطة برمجيات، كل أنشطتك و إبحارك في الإنترنت ، كل أنشطتك المالية و تعاملاتك المصرفية أو إستثماراتك في البورصة، و إدارتك لشركتك، إنك حين تحجز تذكرة قطار أو طائرة أو حتى لما تركب الطائرة فقيادة الطائرة بحاجة إلى البرمجيات، السيارة التي تقودها، و هاتفك المحمول به برمجيات، الجهاز الطبي الذي تستعمله في مستشفاك، و الصاروخ المرتاد للفضاء بحاجة إلى برمجيات – الحادثة الشهيرة لسقوط الصاروخ الفضائي
Ariane 5 Flight 501
بعد 40 ثانية من إطلاقه كانت بسبب خطأ برمجي -

بإختصار شديد آفاق و تداخلات هذه الصناعة لا نهائية، و هي بهذا المفهوم داخلة في كافة أنشطة الحياة العلمية والعملية و الإجتماعية و لا عكس؛ فالبرمجيات لا إفادة لها مطلقا من معظم الأنشطة الإقتصادية الأخرى؛ فالبرمجيات كصناعة قائمة على مادة أولية أساسية و هي الإنسان كأهم مُدخلاتها، و لا حاجة لها إلى مدخلات زراعية أو معدنية مثلا.

و على ذلك فإن إمتلاك ناصية هذه الصناعة له إنعكاسات هامة جدا - بعضها مباشر و بعضها غير مباشر - على سائر الأنشطة الإقتصادية الأخري .

ثالثا
: البرمجيات صناعة ليست بحاجة إلى موارد خام طبيعية - يحكمها قانون الندرة النسبية - :

إنتهى تاريخ الإستعمار الأوروبي الحديث و ما تبعه من بروز أمريكي – بعد الحرب العالمية الثانية – ثم أحادية القطبية بعد الحرب الباردة، إلى يومنا هذا إلى حقيقة مؤسفة و هي السيطرة الغربية شبه الكاملة على منابع الثروات الطبيعية في أرجاء الدنيا – سواءا كانت سيطرة صريحة أو بالوكالة - ، و مثلت الرغبة في الإبقاء على هذه السيطرة أحد الدوافع الهامة لمعظم الحروب التي اشتعلت في الأرض في السنين الأخيرة؛ إذ لم يزل البترول هو المورد الرئيس للصناعة في الغرب و عصبها .

و نحن لظروف التقهقر السياسي و التبعية التي تعيشها الأمة ، لا ينبغي – و لانستطيع - أن نركز في استثمارتنا على ما يحتاج إلى موارد طبيعية ضخمة؛ على الأقل خلال مرحلة (الإستيقاظ من السبات) التي ندفع بإتجاهها

رابعا
:البرمجيات صناعة لا تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة :

إن التكلفة الرئيسية لأي مشروع برمجي هي التكلفة
الدورية
لأجور العاملين فيه – و قد تزيد هذه التكلفة على ضعف مجموع باقي بنود التكاليف الأخرى مجتمعة - هذه حقيقة تقودنا إلى نتيجة مفادها أن التكلفة
المبدئية
لقيام أي مشروع استثماري برمجي ليست ضخمة – قياسا على غيرها من الصناعات –، فلو عُلم أن الأصل في المبرمجين المسلمين – العرب منهم على سبيل المثال و خصوصا المصريون- أن أجورهم أقل بكثير من نظرائهم في الغرب فإن هذا بمجرده يمثل ميزة نسبية لهذه الصناعة عندنا.

أما تكلفة الإستثمار في البشر بغرض تأهيلهم للدخول كأيدي عاملة – مبرمجين- في هذه الصناعة، فتتركز في التعليم و التدريب، و لو ضربنا مثالا جهد التعليم في أبسط صوره – و هو التعليم الغير جامعي – لكوادر الشباب بغرض تأهيلهم كمبرمجين ؛ فسنجد:

الفرد الواحد يتكلف تأهيله للعمل كمبرمج – مبتدىء – 6 آلاف جنيه في المتوسط – البعض من النابهين قد يتعلم بجهد ذاتي؛ بالقراءة بدون معلم - ، و يحتاج لفترة من 12 إلى 18 شهر في المتوسط ليتحول من شاب لا يعرف من الحاسوب إلا الألعاب و أفلام الكارتون إلى مبرمج
مبتدىء
يساهم بدور بسيط في الفريق البرمجي ، و في غضون سنتين – أو أقل بحسب همته – يتحول إلى عضو فاعل و مؤثر في فريق العمل.

لكن يراعى أن الفرد المنتخب لتعلم أساسيات البرمجة ينبغي له أن يتمتع ببعض المهارات الأساسية البسيطة؛ مثل إجادة بعض مهارات التفكير المنطقي (كفهم المشكلات، و توصيفها، و تحديد طرق و مداخل الوصول إلى الحل ...إلخ)، و حب البحث، و علو الهمة في القراءة، و إجادة اللغة الإنجليزية – القراءة فقط تكفي كبداية يليها في الأهمية مهارة الكتابة ثم مهارة الإستماع أما مهارة التحدث فقد لا يحتاج إليها في المراحل المتقدمة-

خامسا
:
صناعة البرمجيات أحد أبرز
تجليات مفهوم
)
الإقتصاد المعرفي
Knowledge Economy
)

إقتصاديات المعرفة هي المستقبل.. حقيقة يعيها الإقتصاديون جيدا، حيث تعاظم الدور الذي تمثله العقول البشرية و الخبرات في معظم نماذج الأعمال.

أحد المفاهيم الهامة لإقتصاديات المعرفة هو مفهوم (التحلل من المادة
De-materialization
) و المقصود به هو إحلال جزء الطاقة الذهنية – الفكرية – و العلمية مكان جزء من المادة الأولية في مدخلات الصناعة .

و قد تشكلت بنية تحتية هائلة لهذا النموذج الإقتصادي المعرفي لتعلن عن ظاهرة كونية جديدة إبان حقبة التسعينات مع الإتساع المضطرد في حجم و تأثير الشبكة العنكبوتية، و التطور المذهل في تقنيات المعلومات.

في نموذج الإقتصاد المعرفي لا تكاد الإقتصاديات المحلية تنفصل عن الإقتصاد الدولي في أغلب جوانب أنشطتها، حتى الولايات المتحدة نفسها صارت أكثر اعتمادا على بقية العالم أكثر من أي وقت مضى – هذه قد يعجب البعض منها إلا أنها حقيقة إقتصادية يقرها الأمريكيون أنفسهم-

صناعة البرمجيات و المعلومات هما المحرك الحقيقي لهذا النموذج الإقتصادي المعرفي، و قد صارت واحدة من أكبر الصناعات نموا على الإطلاق في الإقتصاد الأمريكي .

– و سنعرض في الحلقة القادمة من البحث لحجم صناعة البرمجيات في إقتصاديات الدول الصناعية الكبرى إن شاء الله -

(يُتبع إن شاء الله)

[1]http://www.nytimes.com/2007/08/25/business/worldbusiness/25drive.html?ex=1345694400&en=60f4ceb78d4b081c&ei=5090&partner=rssuserland&emc=rss

[2] هو السرد النصي للبرنامج باستخدام مفردات اللغة البرمجية Code

[3] هذا الفرع العلمي يُنسب إلى العالم المسلم محمد بن موسى الخوارزمي ، حتى أن المسمى الإنجليزي Algorithm مشتق من إسمه

تم تعديل هذه المشاركة بواسطة Moustafa Mahmoud في 9 أغسطس 2008 في 01:26

مواضيع مشابهة

عدد الزوار حالياً

المتواجدون خلال آخر دقيقتين · يتحدّث كل ٣٠ ثانية

—الإجمالي—أعضاء مسجّلون—زوار بدون تسجيل

جارٍ التحقق من المتواجدين…