في المرة السابقة كان موضوعنا غريباً بعض الشيء. لقد كان اختباراً! نعم كان مجرد اختبار لقياس إمكانياتك في تقدير البرمجيات .. أو في فن التقدير عموماً. وجائتني الكثير من الاستفسارات بخصوص هذا الشأن منها على سبيل المثال وليس الحصر:
1. ما علاقة هذه الأسئلة بتقدير البرمجيات .. إنها مجرد أسئلة عامة؟!
2. لا أمتلك الإجابات الصحيحة للأسئلة فأنا لا أعرف متى ولد الاسكندر الأكبر!
3. كيف يمكنني وضع إجابات وأنا لا أعرف حتى إجابات هذه الأسئلة؟!
وفي الحقيقة لقد كان الغرض من الاختبار مختلفاً تماماً عما قد يجول في ذهن البعض. فليس الغرض منه إجابة الأسئلة أو البحث عنها ولكن كان الغرض منها تقييم قدرة الممتحن على التقدير .. لا أكثر من ذلك. وسأعيد عليكم شروط الاختبار لأنها هامة جداً في هذه الرسالة.
1. لكل سؤال عليك أن تقوم بوضع الحد الأدنى والحد الأعلى بحيث أن تكون هذه الأرقام في رأيك تمثل 90% من الإجابة الصحيحة.
2. احذر أن تجعل المدى بين الحدين كبير جداً .. أو صغير جداً. عليك أن تجعل المدى مناسب حتى يستوعب النتيجة الصحيحة في رأيك بنسبة 90%.
3. من فضلك لا تبحث عن النتيجة الصحيحة للأسئلة وهذا لأن هذا الاختبار ليس الغرض منه أن تأتي بالإجابة الصحيحة على الإطلاق وليس الغرض منه قياس إمكانية البحث لديك ولكن الغرض منه قياس قدرتك على تقدير الإجابة. والفرق شاسع.
4. يجب عليك الإجابة على كل سؤال ومليء كل البيانات لأن السؤال المتروك يعتبر إجابة خاطئة.
5. مدة الاختبار 10 دقائق فقط.
في هذه الرسالة سنقوم بتوضيح ما الغرض من الاختبار؟! وما وجه الاستفادة منه؟! بالإضافة إلى أننا سنقوم بحل الاختبار بالطبع.
الغرض من الاختبار؟
لم يكن الغرض من الاختبار بتاتاً هو اختبارك في معرفتك لتاريخ ولادة الاسكندر الأكبر من عدمه! أو لمعرفتك لخط العرض لمدينة شنغهاي من عدمه! إنما كان الغرض منه اختبارك في معرفتك بقدراتك الخاصة في علم التقدير. هل أنت جيدٌ فيه؟! هل تمتلك هذه الموهبة؟! وإن كنت لا تمتلكها كيف تنميها وتتعلمها عندك؟!
ما هو مدى الثقة في الـ “90%”؟
كما يتضح من شروط الاختبار الموضحة أعلاه، يوجد شرط هام وهو أن تحاول أن تجاوب على الأسئلة بحيث تكون واثقاً بنسبة 90% أن الإجابة الصحيحة بين الأرقام التي قمت بوضعها.
وهذا معناه بما أننا لدينا 10 أسئلة أنك بعد الانتهاء من الاختبار عليك أن تكون واثقاً من إجابتك على 9 أسئلة من 10 إجابة صحيحة.
إذا كانت شخصيتك ذات طبيعة حذرة فإنك سوف تقوم بوضع نطاق كبير لكل سؤال بحيث يمكنك ذلك من الحصول على 10/10 في الاختبار. وإذا كانت طبيعة شخصيتك متسرعة قليلاً فسوف تضيق نطاقات إجاباتك أكثر مما ينبغي فعندها سوف تحصل على 7 أو 8/10 في الاختبار.
تعالوا نرى نتيجة هذا الاختبار لمئات الممتحنين:

تعالوا نحلل نتيجة الاختبار:
* متوسط الإجابات الصحيحة هي 2.8.
* فقط 2% استطاعوا تحقيق 8/10 أو أكثر في نتيجة الاختبار!
* لم يحصل أي ممتحن على 10/10 مطلقاً!
من خلال هذه المعطيات تم استنتاج أن كلمة “كن واثقاً بنسبة 90%” تعني في الحقيقة “كن واثقاً بنسبة 30%” وقد أثبتت بعض الدراسات الأخرى هذه النظرية بالفعل لدى معظم البشر!
بالتشابه، وُجد الكثير من المشاريع التي يقدم مديرها جدولاً زمنياً يندرج تحت “واثقاً بنسبة 90%” إلا أنه في الحقيقة الجدول الزمني لهذا المشروع يتعدى ذلك بكثير في الأغلب! فإذا كانت هذه الجداول الزمنية بالفعل تمثل “ واثقاً بنسبة 90%” هذا يعني أن الفريق سوف يتأخر عن تسليم المشروع بنسبة 1 إلى 10 من الجدول الزمني المقترح وهو الذي لا يحدث في أغلب الأحيان.
ولهذا فإن نسبة 90% ليست لها معنى تماماً في عالم تقدير البرمجيات إلا إذا تم تدعيمها ببعض الدراسات الإحصائية والأرقام المدعمة لها. وسيتم الحديث عن هذا الموضوع فيما بعد.
ولكن كقاعدة:
لا تعطي تقديراً لأحد بصيغة “واثقاً بنسبة كذا” خاصة الـ “90%” إلا إذا استطعت بالفعل أن تدعم هذا التقدير.
إذا لم تكن اختبرت نفسك بعد يمكنك الرجوع للاختبار الآن وحاول مرة أخرى. وقد تفاجأ إذا وجدت نفسك لم تجاوب إلا القليل من الإجابات للمرة الثانية!
ما هي سعة النطاق وكيفية تحديده؟!
عندما تسأل القلة القليلة التي استطاعت أن تحرز 7 أو 8/10 في الاختبار .. كيف استطعت تحقيق هذه النتيجة؟! الإجابة تكون واحدة وبكل بساطة: لأنني قمت بتوسيع النطاق الخاص بإجاباتي جداً!
ولكن الرد على هذه الإجابة في الحقيقة هو: لا .. لم تقم بتوسيع نطاق إجاباتك بطريقة كافية لقد أهدرت 3 أسئلة ولم تجبهم. إذا كانت نطاقاتك واسعة جداً كما تقول لكنت أحرزت 10/10 في الاختبار.
من خلال الحوار السابق .. ومن خلال المعاملات اليومية لك في هذا المجال (البرمجيات) .. فإننا نعتقد داخلياً أن تقدير جدول زمني ضيق يعتبر أكثر دقة وأكثر مهارة بالمقارنة بالتقديرات بعيدة المدى. ظناً منا أن الذي يقوم بتقدير جدول زمني كبير يعتبر جاهل بهذا العلم أو أنه لا يستطيع تقدير البرمجيات بالكلية! وأن العكس صحيح.
ولكن في الحقيقة عليك أن تأخذها قاعدة عامة:
لا تحاول أن تتصنع أنك تقدر البرمجيات جيداً عن طريق تقليل وتضييق الجدول الزمني. ولكن كن متأكداً أنك تقوم بوضع نطاق مناسب (كبير كان أو صغير) يساعدك على تحقيق نسبة الثقة التي قمت بتقديرها “واثقاً بنسبة كذا”.
من أين يأتي الضغط الذي يجعلك تختار نطاق ضيق؟!
عندما كنت تقوم بالاختبار .. هل استشعرت أنك مضغوط لكي تجعل نطاقاتك كبيرة؟! أم لتجعل نطاقاتك أضيق؟!
معظم الناس سيقولون أنهم شعروا بالضغط لجعل نطاقاتهم أضيق بقدر الإمكان. ولكنك إذا نظرت إلى قواعد الاختبار ثانية ستجد “احذر أن تجعل المدى بين الحدين كبير جداً .. أو صغير جداً. عليك أن تجعل المدى مناسب حتى يستوعب النتيجة الصحيحة في رأيك بنسبة 90%.”
بعد مناقشة الكثير من المدراء والمبرمجين اتضح أن الضغط يأتي من عاملين:
1. عامل نفسي .. حيث يعتقد المسئول عن عملية التقدير أن النطاقات الضيقة تبدو أكثر احترافية وأنها تعطي انطباعاً بدقة التقديرات! حتى وإن كان هذا لا يصلح في البرنامج الذي يتم تقديره مثلاً.
2. عامل خبرة .. يأتي بسبب التعاملات الدائمة مع رؤساء العمل أو العملاء حيث يصرون بأي شكل من الأشكال على تضييق نطاقات التقدير.
لذا .. كقاعدة عامة:
إذا استشعرت بضغط على تقديراتك يجعلك تقيمها على أضيق النطاقات. تأكد أولاً أن هذه الضغوط خارجية وليست من داخلك!
وفي حالة أن تكون هذه الضغوط خارجية فسنناقش في نفس السلسلة فن المفاوضات والسياسة وحل المشاكل المتعلقة بهذه الأمور إن شاء الله.
ما علاقة هذا الاختبار (هذه المعلومات العامة!) بعالم البرمجيات من الأساس؟!
في عالم البرمجيات لن يقوم أحد بسؤالك أبداً عن تقديرك لحجم البحيرات الكبرى! ولن يسألك أحد عن تداول العملة في الولايات المتحدة الأمريكية خاصة إن لم تكن من قاطنيها (لا يمكن أن يكون هذا معقولاً)؟!
فما العلاقة بين الاختبار وبين عالم البرمجيات؟
عادة ما يسأل المبرمج أو المسئول عن التقدير عن تقدير مشروع خارج نطاق عملك أصلاً، أو مشاريع سوف يتم تطبيقها بتقنيات جديدة لا تعرفها جيداً بعد، أو تقدير التأثير على الإنتاجية عندما نقوم باستخدام أدوات جديدة مثل VS2010 مثلاً … وغير ذلك من الأمور.
ولهذا فإن علم تقدير البرمجيات هو علم يواجه دائماً الشك وعدم اليقين وعدم التأكد بل والجهل أحياناً بالمعلومة تماماً. وهذا هو وجه الشبه بين هذا الاختبار وهذا العلم.
في النهاية، ما هي إجابات الاختبار؟!
أرجو أن أكون أزلت كل الالتباسات السابقة .. وفي المرة القادمة سنبدأ التحدث عن فائدة دقة التقديرات .. وكيفية الوصول بالتقديرات إلى الدقة المطلوبة.
المصدر مدونتي