خل , أو يكون دخل من تحت الباب من الخارج
- يبدو أن كل شيء عندك ((قد يكون ))

كان بوارو يبحث عن نقطة وسط الركام , و كان وجهه عابسا مقطبا لأنه لم يجد ما يريد , ثم قال :

- إنني أدور في ظلام دامس , كلما لمحت ومضة سرعان ما تنطفئ !

جاب- بتجهم - : جيرالد الصغير لديه باعث قوي , أستطيع أن أقول بأنه كان متوحشا متهورا , الفنانون – كما تعرف – لا خلق لهم !

لم يبد بوارو اكتراثا بهجوم جاب القاسي على الفنانين , لكنه ابتسم ابتسامة ذات مغزى كأنه عرف ما في نفس المفتش و قال له :
- يا جاب الطيب , هل تظن أنك تستطيع أن تدر الرماد في عيني ؟ إنني على يقين أن أفكارك تتجه بالشك نحو الرجل الصيني لكنك داهية , تريد أن أساعدك و أنت تخادعني !

انفجر جاب ضاحكا :
- هكذا أنت دائما يا سيد بوارو , نعم أعترف أني أراهن على الشاب الصيني فهو الذي عبث بالكاري , و إذا كان قد حاول التخلص منه مرة فقد يحاول مرة أخرى
- لكن السؤال هو : هل حاول ذلك حقا ؟
- الذي يؤرقني هو الباعث , لعله انتقام همجي لا باعث له !
- سؤال آخر : هل هناك أثر للسرقة ؟ هل اختفت أشياء ثمينة ؟ جواهر , أموال , أوراق ؟
- كلا , أعني .. ليس تماما !

أصغيت بانتباه شديد , وكذلك بوارو . و أكمل جاب موضحا :

- أقصد لم تحصل سرقة , لكن العجوز كان يكتب كتابا ما , لقد عرفنا عنه هذا الصباح حين وصلت رسالة من الناشرين يسألون عن المخطوطة , حاولت البحث عنها بمساعدة باينتر الصغير فلم نجد شيئا , ربما يكون قد خبأها في مكان ما ..

لمعت عينا بوارو بالضوء الأخضر الذي كنت أعرفه جيدا و سأل :
- ماذا كان يسمى ؟ أعني .. هذا الكتاب ؟
- كما أذكر أن اسمه : (( اليد الخفية في الصين ))

صفر بوارو و قد أخذته النشوة , ثم قال بسرعة :
- دعني أر الرجل الصيني آه لينغ

أرسل جاب في طلب الصيني , فجاء يجر قدميه متثاقلا و ضفيرته تتأرجح على ظهره , كان وجهه جامدا لا تلمح في أثر للعاطفة , خاطبه بوارو :

- آه لينغ . هل أنت آسف لموت سيدك ؟

أجاب بلغة إنكليزية ركيكة :
- طبعا إني آسف جدا , انه رجل طيب !
- هل تعرف من قتله ؟
- لا , ولو كنت أعرف لأخبرت الشرطة

استمرت الأسئلة والأجوبة و الوجه الجامد نفسه لم يتغير , و تحدث آه لينغ عن الكاري الذي طبخه بنفسه , و أوضح أن الطاهي لم يكن له يد بذلك و لم تلمسه أي يد إلا يده هو , و كنت أتساءل : هل كان يعرف أين سيقوده اعترافه ؟ , و قد أبدى دهشته هو أيضا من فتح النافذة , و أخيرا صرفه بوارو قائلا :

- هذا يكفي يا آه لينغ

و لكنه ناداه حين وصل إلى الباب :
- وهل تعرف شيئا عن الياسمين الأصفر ؟
- لا ,و ماذا يجب أن أعرف ؟
- و لا عن الإشارة التي كتبت تحتها ؟

سأله بوارو وهو يميل برأسه نحو الطاولة و قد لمحت عيناه شيئا مكتوبا وسط الغبار المتراكم عليها , فقد كتب بوضوح رقم ((4)) !

أصاب الرجل الصيني رعب لمحه في وجهه كأنه أصيب برعشة كهربائية , ثم عاد جامد الوجه مرة أخرى و تراجع وهو يكرر إنكاره الشديد

ذهب جاب يبحث عن باينتر الصغير و تركنا وحدنا , صرخ بوارو :
- الأربعة الكبار مرة أخرى يا هيستنغز , باينتر كان جوالا كثير السفر , و بلا ريب كانت لديه المعلومات الخطيرة التي تخص الزعيم و العقل المدبر لمجموعة الأربعة الكبار لي شانغ ين !
- و لكن كيف ؟ ومن ؟
- صه , هاهم قادمون ..

كان جيرالد باينتر شابا لطيفا ضعيف الجسم , تزين وجهه لحية بنية لطيفة , و كان يلبس ربطة عنق غريبة , أجاب عن أسئلة بوارو باستعداد تام .. أوضح قائلا :
- أكلت العشاء في الخارج مع بعض جيراننا من بيت ويشرليز
- متى عدت إلى البيت ؟
- حوالي الساعة الحادية عشر , معي مفتاح المزلاج , جميع الخدم كانوا قد ذهبوا للنوم , و ظننت أن عمي نام أيضا . أذكر أنني لمحت ذاك المتسول الصيني صاحب القدم الطرية آه لينغ وهو يتحرك بخفة حول زاوية القاعة , لكنني أظن أنني كنت مخطئا
- هل تذكر آخر مرة رأيت فيها عمك , أقصد قبل أن تأتي لتعيش عنده ؟
- آه ! لم أره منذ كنت طفلا في العاشرة عندما تشاجر مع أبي !
- لكنه استطاع أن يجدك مرة أخرى ببعض الصعوبة , أليس كذلك ؟
- بلى , و قد رأيت أن إعلان المحامي في الجريدة عن طريق الحظ !

لم يسأله بوارو أسئلة أخرى , ثم انطلقنا نحو الطبيب كوينتين فكانت روايته هي نفسها دون إضافة تذكر , فقال :

- يا ليتني أستطيع أن أذكر شيئا عن النافذة , و من الخطورة التفكير في الماضي , فقد يقنع المرء نفسه بوجود أشياء لم تكن موجودة قط .. هذه ناحية نفسية , أليس كذلك يا سيد ؟ لقد قرأت عن أساليبك و أنا معجب بك كثيرا .

أستطيع أن أؤكد أن الرجل الصيني هو الذي وضع الأفيون في الطعام , و لكنه لن يعترف و لن نعرف نحن أبدا لماذا , لكن وضع رجل في النار لا يليق بشخصية رجلنا الصيني .. هذا ما يبدو لي !

كان جاب يجري مراقبة حثيثة لكلا الشخصين منذ رؤية الجثة , وحاولت أن أقدم رأيي في بعض جوانب القضية , فقلت :
- أظن أن جيرالد باينتر لا صلة له بالجريمة

سخر بوارو و قال
- أنت دائما تعرف أكثر مما أعرف , وهذه هي المصيبة

ضحكت قائلا :
- أيها الثعلب العجوز, لن تتغير أبدا !
- حتى أكون أمينا يا صديقي فان القضية أصبحت واضحة تماما ما عدا كلمتين : (( الياسمين الأصفر )) , و إني أظن أن هذين الشخصين لا يملكان قدرة على ارتكاب الجريمة معا , عليك أن تقرر : من الذي يكذب ؟..

كنا نمشي في الطريق , و فجأة اندفع بوارو من جانبي إلى مكتبة مجاورة ثم خرج منها بعد بضع دقائق وهو يحمل طردا , و ما لبث أن انضم إلينا جاب و مضينا نبحث عن مأوى في أحد الفنادق

و عندما استيقظت في صباح اليوم التالي كان الوقت متأخرا , و نزلت إلى غرفة الجلوس , فوجدت بوارو يذرع الغرفة ذهابا و إيابا بوجه عابس قلق , و حين رآني صاح وهو يلوح بيده :

- لا تتكلم معي , اصمت , حتى أتأكد أن كل شيء يسير على ما يرام , و أن الرجل قد اعتقل . إن من يكتب رسالة احتضار , يجب أن يكتب شيئا مهما جدا : الياسمين الأصفر , هل تعني شيئا ؟ يجب أن يكون كذلك

ثم أخرج كتابا صغيرا و قال : هذا الكتاب أخبرني .. اسمع :

- الياسمين الأصفر : جلسيميني راديكس : مركب جلسيميني قلو