هناك شعور كبير بأن المتهم هو الدكتور كوينتين أولاً؛ فهو لم يكن الطبيب المعتمد، بل كان طبيباً طارئاً بدل الدكتور بوليثو الذي كان يقضي إجازة بعيداً.

وهناك إحساس أن الإهمال هو سبب المأساة الأول، لكن أقوال الدكتور كانت مختصرة ومثيرة، فقد كان السيد باينتر يشعر بوعكة صحية خفيفة منذ وصوله إلى كروفت لاند، وأشرف على علاجه الدكتور بوليثو، وعندما رآه الدكتور كوينتين أول مرة كان متحيّراً تجاه بعض الأعراض، و لدى انفراده بالسيّد باينتر أطلعه على أمر غريب، فهو لم يكن يشعر بأي مرض على الإطلاق، إلاّ أن طعم الكاري الذي أكله على العشاء كان في غاية الغرابة، لدرجة أنه اضطر- وقد استبدّ به الشك- أن يختلق بعض الأعذار ليصرف آه لنغ بضع دقائق تمكّن خلالها من سكب محتويات صحنه في السلطانية.

وعلى الرغم من قوله أنه لم يشعر بالمرض، لاحظ الطبيب أن السيد باينتر كان يعاني من أثر الصدمة فقرّر إعطاءه إبرة سترايكـنين.

وتوقفت عن سرد أحداث القصة قليلاً قبل أن أختتم معلّقاً:
- أعتقد أن في ذلك تمام القضيّة، ولا يبقى غير الإشارة إلى النقطة الأساسية في الموضوع، وهي أن الكاري الذي لم يؤكل قد أُخضِع للتحليل فعثر فيه على كمية من الأفيون تكفي لقتل رجلين! وسكتّ، فسأل بوارو بهدوء:
- وما رأيك يا هيستنغز؟
- من الصعب القول بأنه حادث وكذلك محاولة سُمّه في الليلة السابقة ربما تكون مصادفة.
- لكنك لا تظن ذلك. . . إنك تعتقد أنها جريمة قتل.
- ألا تعتقد أنت ذلك أيضاً؟
- نحن، يا صديقي هيستنغز، نفكر بطريقة مختلفة، أنا لا أحاول أن أقرر أحد حلّين مختلفين: إما القتل أو القدر، سيأتي ذلك بعد أن نحلّ لغز الياسمين الأصفر، انظر هناك، شيء ما عند الكلمتين!
- تقصد الخطين اللذين عن اليمين؟ لا أظنهما مهمين. .
- ربما هذا لك وحدك، دعنا ننتقل من لغز الياسمين الأصفر إلى لغز التوابل الهندية.
- السؤال: من الذي سممه؟ ولماذا؟ عندي مئة سؤال تحتاج جواباً، الذي أعد الطعام هو آه لنغ لكن لماذا يرغب في قتل سيده؟ هل هو عضو في جمعية سرية صينية ربما يكون اسمها جمعية الياسمين الأصفر؟ ثم هناك جيرالد باينتر!

هز بوارو رأسه و قال:
- نعم، جيرالد باينتر وريث عمه، ثم إنه أكل عشاءه خارجاً ذلك اليوم.
- ربما كان مطّلعاً على الأمر فحرص أن يأكل عشاءه في الخارج لكي لا يأكل الوجبة.

شعرت أن تفسيري أشغل بوارو فنظر إليّ نظرة احترام أكثر من قبل و حاولت الاسمرار في نظريتي:
- عاد متأخراً ورأى النور في مكتب عمه فعلم أن خطته فشلت فدفع الرجل العجوز في موقد الغاز.
- السيد باينتر كان في صحة جيدة وما كان يمكن أن يسمح بأن يُحرق حتى الموت دون أن يبدي مقاومة، هذا الرأي غير راشد.
- أظن أننا اقتربنا من الحل، دعنا نرى رأيك في المسألة.

انتفخ بوارو مغروراً وألقى نحوي ابتسامة ثم قال:
- هب أنها جريمة قتل، فإن السؤال هو: لماذا اختار القاتل هذه الطريقة ليقتله؟ ربما يكون الجواب: من أجل إخفاء الهوية، لقد احترق الوجه حتى لا يمكنك معرفته. هل تكون جثّة رجل آخر؟ لكن الجواب الراجح هو النفي.

ثم هناك أشياء أخرى تحتاج تحقيقاً وبحثاً، لكن يجب ألا أسمح لهاجس الكبار الأربعة أن يسيطر على عقلي، ومن الخطر أن يجعل الإنسان نفسه أسيراً لفكرة واحدة، ولقد تمعنت بالخطين المرسومين فوجدتهما بداية الرقم ((4)).

علا صوتي بضحكة سخرية قائلاً:
- لله درك يا بوارو!
- أليس ذلك سخيفاً؟ إنني أرى الأربعة الكبار في كل مكان. .
ها هو جاب قادم إلينا

الفصل العاشر


كان مفتش سكوتلاند يارد يقف على الرصيف , و حيانا بشدة عندما قدمنا إليه , و بدت على محياه بسمة عريضة ثم قال:
- حسنا يا سيد بوارو , لقد أيقنت أنك ستقحم نفسك في هذا اللغز المحير , انه لغز من الطراز الأول , أليس كذلك ؟

ثم انطلقت بنا سيارة جاب تنهب الأرض نحو كروفت لاندز

كان البيت أبيض جميلا تحيط به الأشجار و النباتات المتعرشة و فيها الياسمين الأصفر اللامع وكنت أشعر بظلال من الكآبة تخيم على المنزل , و كان صمت الأشجار موحشا , و الورود تتمايل بحزن كأنما ترثي صاحب المنزل

وكان الياسمين الأصفر يشد العيون ؛ لأن اسمه كان عنوان اللغز .. يبدو أن الرجل كان ذاهلا حين كتب هذا , إنها كلمات لا معنى لها و لا تفيد شيئا

ابتسم بوارو و قال :
- ما الذي تراه يا سيد جاب ؟ حادث أم جريمة ؟

بدا المفتش مرتبكا محرجا أمام سؤال بوارو :
- إذا نفينا أثر تلك التوابل الهندية و لم يثبت أنها هي السبب في الوفاة فإني أميل إلى الرأي القائل بأنه حادث ؛ لأني أستبعد أسلوب القتل بوضع رأس رجل حي في النار : ألا ترى أنه كان سيملأ البيت صارخا ..

قال بوارو يحدث نفسه :
- آه لقد كنت أحمق , أحمق ثلاث مرات , انك أذكى مني يا جاب !

فوجئ جاب بهذا المديح .. كان بوارو دائما يمدح نفسه و يسخر من غيره , و احمر وجه جاب و كانت شفتاه تتلعثم بكلمات غير مفهومة تشير إلى الريبة و الشكوك في نفسه في صدق بوارو عند مدحه

دخلنا المنزل متجهين عبر ردهاته إلى الغرفة التي حدثت فيها المأساة : مكتب السيد باينتر , كانت غرفة واسعة , جدرانها تنوء بحمل الرفوف الملأى بالكتب العتيقة

نظر بوارو عبر الشباك إلى حديقة خلفية فيها حصباء , ثم سأل :
- هل كان مزلاج الشباك مفتوحا ؟
- يبدو أن القضية كلها هنا ؛ لأن الطبيب حين خرج أغلق الباب خلفه , و في صباح اليوم التالي وجد مقفلا من الداخل , من الذي أقفله ؟ هل هو السيد باينتر نفسه ؟ آه لنغ أكد أن الشباك كان مغلقا بالمزلاج , و الدكتور كوينتين قال بأنه كان يشك أن الشباك كان مغلقا لكن ليس بالمزلاج , لكنه لم يتأكد , ولو تأكد لأدى ذلك إلى خلل خطير !

فإذا كانت جريمة قتل فلا بد أن يدخل القاتل من الباب أو الشباك , و إذا كان الشباك فمن الأرجح أن الفاعل شخص من الخارج , و ربما فتحوا النافذة على مصراعيها حين كسروا الباب , و الخادمة التي فعلت هذا تقول بأن النافذة لم تكن مقفلة بالمزلاج , لكنها شاهدة سيئة جدا : لا تتذكر إلا ما يطلب منها أن تتذكره

- و ماذا عن المفتاح ؟
- وجد على الأرض بين حطام الباب , و قد يكون سقط من القفل عند الاقتحام ,و ربما أسقطه شخص ما حين د