, و التنكر في دور الخادم كان هو الضمان الوحيد لخط الرجعة في حالة الطوارئ , أما الخادم ..

قلت و أنا ألتقط أنفاسي :
- نعم ؟

رد بوارو بهدوء :
- انه رقم ((4))

الفصل التاسع

أعقبت حادثة المحجر تلك فترة هادئة، لكني كنت أشعر أننا لم نحقق القدر الواجب من النجاح والتقدم في ملاحقة الأربعة الكبار، فمنذ اتصالنا بهم ارتكبوا جريمتين و خطفوا هاليدي، وكانوا على شفا قتلي أنا و بوارو، ولم نستطع أن نسجل إلا نقطة واحدة في هذه اللعبة الخطرة. .

وحين صارحت بوارو بما في نفسي قال:
- هم يضحكون حتى هذا الوقت يا هيستنغز، هذا صحيح، لكنّ المثل الإنجليزي: ((المهم من يضحك أخيراً؟)) يصدق فيهم، أليس كذلك؟ يجب أن تعلم أننا لا نواجه مجرماً سهلاً، بل نواجه أعظم أدمغة في الشرق والغرب!

لم أكن أرغب سماع هذه الإجابة، كنت فقط أحاول استدراج بوارو من أجل الإفصاح عن بعض خطواته الـلاحقة في تعقب الخصوم، لكنني فشلت؛ لأنه قابلني بعادته المعروفة: التكتم الشديد في كل ما يريد مستقبلاً، وتركني في جهل مطبق كما يحصل دائماً!

لقد ثارت لديَّ شكوك حول اتصالات محتملة يجـريها مع الاستخبارات السرية في الهند و الصين و روسيا، وعرفت من صورة اندفاعه في تجميد نفسه دائماً أنه كان يتقدم في لعبته المفضّلة: اكتشاف عقلية عدوّه!

تخلى بوارو عن عمله الخاص كله، ورفض عروضاً ضخمة كما أعلم صراحة، بل كان كثيراً ما يتخلى عن قضايا يشرع في التحقيق فيها بعدما يتبين له أنْ لا صلة لها بنشاط الأربعة الكبار.

الرابح الكبير من هذا الموقف هو المفتش جاب الذي اكتسب شهرة كبيرة لا نستطيع إنكارها من قدرته على حل كثير من المعضلات التي يعود الفضل في نجاحه فيها إلى تلميح بوارو الذكي.

في المقابل كان جاب يمد بوارو بكثير من الأخبار اللازمة في قضاياه، وعندما عُيّن مسؤولاً في القضيّة التي سمّتها الصحف ((لغز الياسمين الأصفر)) طلب من بوارو أن يحضر لينظر فيها إن كان يهمه ذلك.

على أثر هذه الرسالة وجدنا أنفسنا وحدنا في مقصورة قطار ينعطف بعيداً عن دخان لندن وغبارها متجهاً إلى بلدة ماركت هانْد فورد الصغيرة في مقاطعة وِرْشِسْتَرْ شَيَرْ حيث مكان اللغز.

سألني بوارو و هو يتكّئ على جدار المقصورة:
- ما قولك في المسألة يا هيستنغز؟

لم أسرع في الجواب، بل حاولت أن أكون حذراً وعمدت إلى كلمة أساسها العموم:
- كل شيء يبدو معقّداً!

فقال بمرح: نعم، أليس كذلك؟
- اندفاعنا بهذه السرعة يشير إلى اعتقادك أن وفاة السيد باينتر كانت نتيجة لجريمة قتل لا انتحاراً ولا حدثاً عابراً. .
- لا، لا يا هيستنغز، أنت تسيء فهمي، هبْ أن هذا صحيح فلابد من كشف كثير من المُلبسات والظروف الغامضة.
- هذا ما عنيته عندما قلت بأن كل شيء يبدو معقداً.
- إذاً دعنا نستعرض حقائق القصة بهدوء ومنهجية، أعد سردها عليّ يا هيستنغز بوضوح وترتيب.

بدأتُ أسرد أحداث القصة بنظام و منهجية قدر استطاعتي:
- نبدأ بالسيد باينتر: رجل في الخامسة و الخمسين، غني مثقف كثير الأسفار، لكنه ضاق في سنينه الأخيرة بالسفر فعمد إلى الاستقرار بعد أن اشترى بيتاً صغيراً في وِرْشستر شَيَرْ قرب ماركت هاند فورد وأراد العكوف على الكتابة، لكنه أرسل إلى ابن أخيه الأصغر يشير عليه أن يأتي ليسكن معه في كروفت لاندز.

فرح ابن أخيه بهذا الرأي، وكان فناناً مفلساً، وعاش مع عمه حوالي سبعة أشهر إلى أن حدثت المأساة.

بوارو- بهمس-: أسلوبك روائي جذاب كأنك تقرأ من كتاب!

حاولت أن أكمل القصة بحماس و جِدْ متجاهلاً كلمة بوارو:

- لدى باينتر طقم من ستة خدم في كروفت لاندز زيادة على خادمه الصيني الخاص آه لِنْغ.

همس بوارو مستغرقاً: الخادم الخاص الصيني آه لِنْغ . . .
- يوم الثلاثاء من الأسبوع الأخير اشتكى السيد باينتر ألماً معوياً بعد العشاء فأرسل أحد خدمه ليحضر الطبيب، وعندما حضر الطبيب استقبله السيد باينتـر في مكتبه رافضاً أن يذهب إلى السرير، ولم يعرف أحد ما جرى بينهما من حديث، لكن الطبيب كوينتين طلب أن يرى مدبرة المنزل، وذكر أنه أعطى السيد باينتر إبرة تحت الجلد لأن قلبه في ضعف شديد، وأوصى بألا يزعجه أحد، ثم بدأ بأسئلة كثيرة عن الخدم: متى عملوا هنا؟ ومن أين جاؤوا؟ . . . إلخ.

أجابت مدبرة المنزل أسئلته قدر استطاعتها، وكانت تعتريها الحيرة والدهشة من مغزى هذه الأسئلة.

وفي اليوم التالي حدث شيء مرعب، فبينما كانت إحدى الخادمات تتجول في أطراف المنزل إذ شمت رائحة لحم محترق مقززة، وحين بحثت عن مصدر الرائحة عرفت أنها من مكتب سيدها، حاولت فتح الباب لكنها وجدته مقفلاً من الداخل، وبمساعدة جيرالد و الرجل الصيني تمّ اقتحام المكتب، ليجد القوم أنفسهم أمام منظر رهيب: لقد سقط السيد باينتر في موقد الغاز و قد احترق رأسه و وجهه حتى ليكاد يستحيل التعرف إليه!

في تلك اللحظة لم يَقَعْ أيّ اشتباه، وإن لم يكن بدٌّ من لومٍ فأولى الناس باللوم هو الدكتور كوينتين الذي حقن مريضه مخدراً وتركه في هذه الحال الخطيرة.

ثم بعد ذلك تم كشف شيء يثير الفضول: كان على الأرض عند الكرسي الذي كان يجلس عليه الرجل العجوز صحيفة ملقاة يبدو أنها قد انزلقت عن ركبتيه وقد كتب عليها بخط يد كبير ضعيف بضع كلمات ووجد إصبع السبابة في اليد اليمنى للضحية ملطخاً بالحبر، ولا بد أن الضحية كان في حال ضعف شديدة فلم يَقْوَ على الإمساك بالقلم فعمد إلى سبـابته يضعها في الحبر وكتب هاتين الكلمتين على سطح الصحيفـة التي كانت بين يديه، والكلمتان واضحتان تماماً: ((ياسمين أصفر))!

لوحظ أن جدار المنزل كان ينمو عليه الياسمين الأصفر، وهذا دعانا أن نقول بأن رسالة الاحتضار ذات علاقة بهذا النبات، مما يوضح أن عقل العجوز كان يخرف، لكن الصحف جعلت من الحادث قصة مثيرة وأسمتها ((لغز الياسمين الأصفر)) وإنْ لم تَبْدُ حقيقة في هذه الأهمية.

قال بوارو: تقول بأنها غير هامة؟ حسناً، إذا كنت تظن أنها غير هامة فهي كذلك.

نظرت إليه بارتياب شديد، فقـد عودني على التهكم المـرير ولكني لم أقرأ السخرية في عينيه، وأكملت الأحداث:
- وبعدها بدأت فصول تحقيق القضية والبحث فيها. .
- أدرك أنك هنا بدأت تلعق شفتيك. .
- كان 