 مسرعا أكثر لكي أسبقه إلى المحجر , و هناك كان المكان خاليا , فتوجهت نحو شجيرات منعزلات في إحدى زوايا المحجر و قد تشابكت مع بعضها لأرقب الأحداث

و بعد عشر دقائق ظهر ريلاند يمشي بتشامخ , يلبس قبعته التي تدلت على عينيه و قد تدلى من فمه سيجاره الذي لا يفارقه , نظر حول المكان ثم نزل في حفر المحجر . سمعت همس رجال كان يصل إلى أذني مما يشير إلى أن الرجال الآخرين كانوا قد وصلوا إلى المكان أولا

خرجت من بين الشجيرات بهدوء شديد دون أي ضجيج , و تسللت منحدرا نحوهم ببطء و حذر شديدين , و اختفيت خلف صخرة كبيرة كانت تفصلني عنهم

كان الظلام يلف المكان , و كنت أسمع حديثهم بوضوح , و شعرت أني آمن في موقع استراتيجي غير مرصود , لكن المفاجأة المحتومة وقعت عندما نظرت إلى حافة الصخرة فوجدت نفسي فجأة أمام فوهة بندقية مصوبة نحوي , و إذا الرجل يكمن قرب الصخرة و قد وقعت في الشرك تماما .. ياللفزع !

صرخ في بلهجة مرعبة , و شعرت بفوهة البندقية الباردة على قفا عنقي !

قال ريلاند متشدقا : مرحبا , لقد كنت أنتظرك . ثم صاح بالرجل :
حسنا يا جورج , أحضره هنا

قادني الرجل و أنا أمتلئ غيظا و حنقا من هذا الفشل الكبير بعد أن تم تكميدي و تكبيلي بإحكام . و خاطبني ريلاند بلهجة حازمة كلها تهديد ووعيد :
- هذه هي نهايتكما , لقد حاولتما التدخل في شأن الأربعة الكبار أكثر من مرة , ولن يكون الأمر سهلا , هل سمعت بالانهيار الصخري ؟

لقد حدث مثل هذا الانهيار في هذا المكان قبل سنتين , و سيحدث آخر بعد قليل هنا أيضا , وسوف يتم ذلك بكل دقة و إحكام , لكن صديقك لا يحترم مواعيده بدقة كما يبدو , أليس كذلك ؟

اجتاحتني موجة رعب و شعرت بالرعدة تسري في جسدي حين ذكرت بوارو و أنه بعد لحظات سوف تقوده قدماه إلى الفخ و لا أملك أية وسيلة لتحذيره من هذا المصير المشؤوم , أستطيع فقط أن أدعو الله راجيا ألا يأتي هنا , و مع مرور الوقت كنت أشعر بالاطمئنان ..

فجأة اندفعا بسرعة بعد سماع وقع أقدام تقترب .. كان القادم هو بوارو , و صرخ ريلاند :
- ارفع يديك !

قفز ديفز مرافق ريلاند ف فاجأ بوارو من الخلف , لقد اكتمل الكمين . قال ريلاند :
- أنا مسرور بلقائك يا سيد بوارو

بدا بوارو ضابطا أعصابه بصورة عجيبة , لم يضعف و لم يهتز , لكني رأيت عيناه تبحثان يمنة و يسرة في الظلمة , سأل :
- صديقي هل هو لديكم ؟
- نعم , كلاكما في الفخ , فخ الأربعة الكبار !

ابتسم بوارو بسخرية ثم سأله :
- فخ ؟ أي فخ هذا ؟
- ألم تدرك ذلك حتى هذه اللحظة ؟
- أدرك أن هناك فخا لكنك مخطئ في ظنك يا سيد , أنت الذي وقع في الفخ لا أنا و صديقي !
- ماذا تقول ؟

رأيت الاضطراب على وجه ريلاند فيما راحت عيناه تبحثان في المكان و التطير بدأ يظهر في حركته و نبرة صوته ..

- إذا أطلقت النار فانك ترتكب جريمة قتل أما عشر عيون ترقب الحدث , سوف تشنق بسببها , المكان محاصر تماما , رجال سكوتلانديارد يحيطون بالمكان منذ ساعة سقط الملك في هذه الجولة يا سيد آبي ريلاند


ثم أصدر صفيرا مثيرا , و في برهة أصبح المكان يضج بحركة الرجال المسلحين حقا , كأن ذلك تم بطريقة سحرية , أمسكوا بريلاند و خادمه الخاص و جردوهما من السلاح , ثم تحدث بوارو بضع كلمات مع الضابط المسؤول , و بعد لحظات أصبح المكان خاليا من الرجال و الحركة , أقبل بوارو يعانقني كأني في حلم ليلي مرعب !
- انك لم تصب بأذى , هذا رائع , لقد لمت نفسي كثيرا لأني تركتك تذهب وحدك !
- إني في صحة تامة , لكنني مضطرب قليلا , لقد سقطت في شركهم الصغير , أليس كذلك ؟
- لكنني كنت أنتظره , و من أجل هذا كان عملك مع هذا الشخص . اسمك مزيف , و شخصيتك التضليلية لم يقصد منها الخداع أبدا يا عزيزي
- ماذا تقول ؟ هل أنت جاد في حديثك ؟ لماذا لم تخبرني بشيء عن هذا كله ؟

كانت الأسئلة تتبعثر من بين شفتي من الدهشة دون ضبط , و شعرت بعجزي عن فهم هذه اللعبة ..

- كما قلت لك يا هيستنغز , انك تتمتع ببراءة الأطفال يا صديقي , و إن لم تكن مخدوعا فيصعب عليك أن تخدع هؤلاء , لقد اكتشفت من أول لحظة و لقد توقعت كل ما حدث , إنها مسألة رياضية واضحة النتيجة لكل من يعمل خلاياه الرمادية بشكل صحيح , حاولوا أن يجعلوك طعما , وكانت الفتاة هي الوسيلة , فهل كان شعرها أحمر ؟
- إن كنت تقصد الآنسة مارتن , فان شعرها يحوي ظلا ناعما من اللون الخروبي , ولكن ..
- لقد درسوا شخصيتك بإمعان , انهم جماعة مدهشون !

نعم يا صديقي , كانت الفتاة متورطة تماما في المؤامرة , لقد كررت عليك الرسالة و هي تروي قصتها مع ريلاند , إنها طريقة ذكية بلا شك , و أنت استطعت تحليل الشفرة التي لم تكن صعبة على كل حال , لكن الشيء الذي لم يحسبوا حسابه أني كنت أنتظر هذا الفعل الذي سيقدمون عليه ثم تدبرت الأمور مع جاب و هكذا انتصرنا كما ترى

لم أشعر بالسرور تجاه ما حدث و لم أكن راضيا عن أسلوب بوارو هذا , و لقد علم شعوري

و في صباح اليوم التالي توجهنا إلى لندن في قطار الحليب الذي ينطلق مبكرا في رحلة غير مريحة على الإطلاق

خرجت من الحمام للتو غارقا في أحلامي بفطور لذيذ و إذا بصوت جاب ينبعث من غرفة الجلوس :
- لأول مرة أشعر أنك تندفع سريعا يا بوارو , ما هذا السراب الجميل الذي أوقعتنا فيه , حادثة سيئة بلا شك

كان بوارو في قمة دهشته ينظر إلى جاب بوجوم ثقيل و هو يتابع حديثه :
- لقد أخذنا اليد السوداء على محمل الجد , و إذا بذلك الشخص هو الخادم

صرخت فزعا :
- الخادم ؟
- نعم , انه جيمس أو أيا كان اسمه , انه يستطيع أن يمسك الرجل العجوز بأسنانه , وهو يستطيع أن يزوده بأشياء كثيرة عن الأربعة الكبار ..

صرخت بتشنج :
- مستحيل !
- لماذا لا تصدق ؟ لقد اقتدنا الرجل المحترم إلى هاتون شيز , و هناك وجدنا ريلاند الحقيقي نائما على سريره و معه كبير الخدم و الطاهي و الخادم الخاص , و الله يعلم كم ربح كل واحد منهم من هذا الرهان

بوارو – همسا - : ربما يكون إذن هو السبب في بقائه في الظل

نهض جاب و انصرف , كان الجو مليئا بالغموض و الذهول , نظر كل منا إلى الآخر بصمت و قال بوارو :
- إننا نعرف يا هيستنغز أن آبي ريلاند هو رقم ((2)) 