رغم محاولاتها أن تحتشم . حاولت كسب ثقتها لا سيما بعد أن تبين لي أنها تكره سيدها و لا تثق فيه

مكثت في هاتون شيز ثلاثة أسابيع , و كانت حياة هادئة لا حوادث فيها , حيث لم أستطع أن أعرف شيئا يستحق الذكر , و بدا ريلاند في نظري شخصية ذات مكانة اجتماعية متميزة لها القدرة على التأثير , و لا يبدو أنه على صلة بمنظمة الأربعة الكبار , و كانت تترسخ في نفسي قناعة أن بوارو قد أخطأ في ظنه الجائر الذي يربطه بهذه المنظمة المشبوهة الى أن سمعته مرة يذكر بوارو حين يأكل عشاءه في إحدى الأمسيات :

- يقولون انه رائع ذاك الرجل الصغير , لكني وجدته انهزاميا ! اتفقت معه على صفقة و لكنه رفضها في الدقيقة الأخيرة , إني لا أود معاملة صاحبك هيركيول بوارو مرة أخرى !

في تلك اللحظة شعرت بزيف ( المكياج ) الذي يكسو وجنتي ...

ثم حصلت على قصة مثيرة عندما سافر ريلاند و معه أبلباي , فقد كنت أسير في الحديقة مع الآنسة مارتن بعد شرب الشاي , كانت الفتاة تبدو طبيعية جدا و غير منفعلة , لكني كنت ألمح أسرارا و أحاديث تجول في رأسها , و أخيرا قالت :
- هل تعلم يا ميجر نيفلي أنني أفكر في الاستقالة من عملي في هذا المكان ؟

ظهرت علي علائم الدهشة فيما تابعت هي قائلة :
- آه ! أدرك أن كثيرا من الناس سينعتونني بالحماقة ؛ انهم يحسدونني على هذه الوظيفة , لكني ما عدت قادرة على التحمل المزيد من الشتائم , لا أحد يصدق أن مثل هذه الأفعال تصدر عن مثل هذا الشخص العظيم !
- و هل يسيء لك ريلاند ؟

هزت رأسها ثم قالت :
- انه سريع الغضب و ذو مزاج متقلب , و هذا شيء لا يحتمل , وهو إذا صار ثورا هائجا كاد يبطش بمن يلقاه لأتفه الأسباب , لا أحد يستطيع احتماله , إنها مشكلة تستعصي على الحل

قلت و أنا أرجو سماع المزيد :
- هل لك أن توضحي الأمور ؟
- كما تعلم فإنني أفتح رسائل السيد ريلاند فأسلم بعضها إلى أبلباي و الأخرى أقوم بالإجراءات التي تخصها بنفسي . و إذا فرزت الرسائل الأولى علي أن أتعامل بحذر مع نوع من هذه الرسائل , و هي التي تجيء مكتوبة على ورق أزرق و قد ظهر على أحد أطرافها الرمز – رقم ((4)) – بخط صغير

و عندها لم أستطع كبح صرخة ذهول انطلقت من أعماقي , لكني حاولت خنقها في مهدها مما جعلها تنظر إلي قائلة :
- عذرا , هل تريد أن تقول شيئا ؟
- لا , لا شيء بتاتا , أكملي ..
- حسنا , الرسائل التي تحمل هذا الرمز هناك أمر صارم بعدم فتحها , و يجب تسليمها إلى السيد ريلاند نفسه ..

و لقد حدث في صباح أمس أن فتحت إحدى هذه الرسائل خطأ فذهبت من فوري إلى السيد ريلاند و شرحت له الموقف و اعتذرت له كثيرا لكنه انقلب فجأة إلى صورة شيطانية مرعبة و كاد يفتك بي , كنت خائفة منه جدا !

- و هل كان الأمر يستحق هذه الثورة ؟ ماذا كان في الرسالة ؟
- لا شيء , و هذا مما يدعو إلى التساؤل و يثير الدهشة , لقد قرأتها قبل أن أكتشف خطئي و أذكرها كلمة كلمة , لم يكن فيها ما يدعو إلى القلق ..

شجعتها قائلا :
- هل تستطيعين تكرارها ؟
- نعم : (( سيدي العزيز , إن الأمر الضروري الآن هو رؤية الأملاك . إذا كنت تصر على تضمين المحجر فان سبعة عشر ألفا تبدو معقولة , إن 11% عمولة تبدو كثيرة , 4% قدر وافر ..
المخلص آرثر لافير شام ))

أصغيت إلى حديثها بكل عناية مع تظاهري بعدم الاهتمام , فيما تابعت قائلة :
- من الواضح أن السيد ريلاند كان يفكر في شراء بعض الأملاك , لكني في الحقيقة أشعر أن في الأمر ما يدعو لإثارة الفضول , انه يبدو رجلا خطيرا , فماذا تنصحني يا سيد نيفلي ؟ إن خبرتك في الحياة أكبر

حاولت تهدئة الفتاة قليلا مشيرا إلى أنه ربما كان يعاني من حالة صحية مؤثرة , و لقد بدا عليها الارتياح , لكني لم أشعر بالاطمئنان إلي السهولة التي تم بها الأمر

غادرت الفتاة المكان و جلست وحدي أفكر بهذه الرسالة الهامة التي دونت كلماتها على عجل . بدت الرسالة صادقة و ليس فيها ما يدعو للإثارة , فهل كانت تخفي صفقة تجارية ينوي ريلاند إنجازها . و هل هو حريص ألا تكشف أي أسرار منها قبل إنجازها ؟ ربما , فهذا جائز , لكن العلامة التي كانت تظهر على المغلفات هي موطن الإثارة .. رقم ((4)) بخط صغير !

مكثت طيلة اليوم و معظم نهار اليوم التالي و أنا أفكر في هذه الرسالة , و فجأة شعرت أني اهتديت إلى الحل , رقم ((4)) كان هو الدليل , فحين نقرأ كل رابع كلمة في الرسالة تظهر رسالة أخرى مختلفة :
((ضروري رؤيتك , المحجر , 17 , 11 , 4 ))

الأرقام كانت تعني بسهولة : 17 – أكتوبر و الذي يصادف غدا , 11 : الساعة , 4 : هو الإمضاء المعروف أما المحجر فهو إشارة إلى المحجر المهجور الذي يبعد نصف ميل عن بيت ريلاند و هو منطقة معزولة تصلح للقاءات السرية

شعرت بالانتصار عندما تمكنت من فهم اللغز , و شعرت بفرحة غامرة و سعادة في داخلي لأني ربما تفوقت في هذه المرة على بوارو , مما جعلني أفكر في مغامرة كشف هذا اللقاء وحدي , لكني في النهاية بعد تفكير و تردد قهرت هذا الإغراء و علمت أن هذا عمل كبير خطير ربما يعرض فرصة نجاحنا إلى الخطر , و لا بد من إعلام بوارو فهو يملك عقلا أفضل مني بالتأكيد

كتبت له رسالة تبين الحقائق , و أوضحت له ضرورة رصد ذلك اللقاء , و كشفت له رغبتي في إدارة اللعبة وحدي إذا رأى ذلك من الحكمة , ثم أخذت الرسالة بنفسي إلى محطة البريد و قد فصلت له كيفية القدوم إلى المكان إذا لم أستطع مقابلته في المحطة

كنت شديد الانفعال في مساء اليوم التالي و كان المنزل خاليا من الضيوف و لكني كنت مشغولا طيلة المساء مع السيد ريلاند , و قد فقدت الأمل أن أستطيع لقاء بوارو في المحطة , لكني كنت واثقا أنني سوف أغادر قبل الحادية عشر

كان عقرب الساعة يقترب من العاشرة و النصف عندما نظر ريلاند إلى ساعته , و أشار بأن العمل قد انتهى ذاك اليوم , ففهمت الإشارة و انسحبت بهدوء نحو الطابق العلوي كأنني أريد الاستعداد للنوم لكنني تسللت من الأسفل بهدوء عبر درج جانبي , ثم تسللت إلى الحديقة و قد أخذت حذري و لبست معطفا أسود طويلا

نظرت خلفي فجأة فوقعت عيناي على السيد ريلاند يخرج من نافذة مكتبه إلى الحديقة مسرعا لكي يفي بوعده , انطلقت