 , كما أننا لا نملك دليلا , سنكون محظوظين إن لم تبلغ هي الشرطة عنا
- ماذا ؟
- نعم لقد وجدونا في قصرها ليلا , و معنا مفتاحه , و لن يكفي أننا قيدناها و كممناها بشكل مدهش و استنقذنا أرواحنا من مخالب الموت ..



الفصل الثامن

بعد تلك المغامرة الرهيبة في فيلا باسي لم نعد نطيق المقام في باريس فانطلقنا مرتحلين إلى إنكلترا على عجل , و هناك وجد بوارو كومة من الرسائل بانتظاره , قرأ إحداها و البسمة على وجهه , ثم دفعها إلي و قال :
- اقرأ هذه الرسالة

كانت الرسالة مذيلة بإمضاء آبي ريلاند , فذكرت أنه ذاك الرجل الذي وصفه بوارو بأنه أغنى رجل في العالم , و كانت تعرب عن قلق ريلاند لأن بوارو تخلى عن قضية أمريكا الجنوبية في آخر لحظة , قال بوارو :
- هذه الرسالة تجعلني أبذل مزيدا من التفكير المتواصل العميق , أليس كذلك ؟
- لكن من الطبيعي أن يبدي الرجل أسفه , و له الحق أن يغضب
- لا يا هيستنغز , أنت ثقيل الفهم , ألا تذكر كلمات مايرلنغ , ذلك الرجل الذي فر إلينا من الموت ووجد الموت في انتظاره عندما قال : رقم ((2)) رمزه حرف (($)) و عليها خطان علامة الدولار الأمريكي أو شريطان و نجمة , و هكذا نحدس أن يكون أمريكيا و أنه يمثل قوة الثروة , زد عليه أنه عرض علي قدرا سخيا من المال من أجل إغرائي بالخروج من إنكلترا , ماذا تفهم من ذلك يا هيستنغز ؟

قلت و أنا أنظر إليه نظرة أبله :
- هل تقصد أنك تشك في آبي ريلاند صاحب الملايين أنه رقم ((2)) من الأربعة ؟
- قد بدأت تفهمني قليلا يا هيستنغز . نعم , إني أشك فيه , المشهور عن ريلاند أنه رجل ثري و قوي لكنه عديم الضمير , رجل يملك كل الثروة و سلطته لا حدود لها لكنه لئيم و غليظ في المعاملة , لا يستطيع أحد أن يقف في وجهه لأن عنده قوة خارقة !
- متى كنت تجزم بهذا الاعتقاد ؟
- إنها فكرة مجردة تجول في خاطري , ليس لدي دليل يثبت هذه الفكرة , لكنني مستعد لأقدم كثيرا كثيرا من أجل معرفة ذلك , و أنا أظن أن النظرية التي تقول أن رقم ((2)) هو ريلاند سوف تساعدنا على الاقتراب من الهدف
- تستطيع أن تزوره و تعتذر منه
- ربما كان سهلا أن أفعل ذلك

بعد يومين عاد بوارو إلى المنزل و هو مصاب بالدهشة و الانفعال , ثم أمسك بي بكلتا يديه كما يفعل عادة عند تحمسه و قال :
- يا صديقي , إنها مناسبة مذهلة حقا ربما لا تتكرر أتت من غير تدبير , لكن فيها خطورة و مغامرة حتى إني أكاد لا أطلب منك المحاولة
- إذا كنت تحاول أن تلقي الروع في صدري فإني أظنك تسير في الاتجاه الخطأ يا بوارو

و بعد أن هدأ قليلا و خف تحمسه كشف خطته التي تقتضي أن أتقدم بطلب عمل لدى آبي ريلاند بعد أن أعلن أنه يحتاج سكرتيرا إنكليزيا من ذوي النمط الاجتماعي الراقي و ذوي الكفاءة العالية و الحضور المتميز . قال بوارو يعتذر :
- ربما أستطيع أنا أن أدبر نفسي , لكن الأمر يبدو صعبا : أن أتكلف دور المحتاج و أنكر شخصيتي المشهورة , ربما كنت أتكلم الإنكليزية بطلاقة و لكن سيكون علي أن أضحي بشاربي .. و حتى لو تخليت عن شاربي أيضا سأظل معروفا أنني هيركيول بوارو

وافقته أن الأمر عسير عليه و أعلنت استعدادي و رغبتي في اختراق بيت ريلاند و أنني أطمح للنجاح

- سوف أهيئ لك الشهادات التي تجعل ريلاند يلعق شفتيه , سآتيك بورقة من وزير الداخلية نفسه , سأجعله يحط على يدي كعصفور أتى لينقر كسرة الخبز

كانت الخطوة الأولى أن نذهب إلى فنان في المكياج . حدق المزين بي مليا و هو صامت , و كنت أنظر ألي رأسه الصغير و حجمه الضئيل مثل هيركيول بوارو , ثم بدأ صنعته بجد و همة

بعد ساعتين تقريبا قمت إلى المرآة فنظرت فأذهلني مشهد نفسي , حذاء خاص جعلني أطول بإنشين , و معطف طويل أبدو فيه نحيفا طويلا , لقد تغير شكل حاجبي و ملامح وجهي مختلفة تماما , اختفى شاربي و ظهر من جانب فكي الأيمن سن ذهبية , تحول لوني من السمرة إلى البياض , إن المظهر بلا شك ذو قدرة على الخداع , نظر بوارو و قال :

- اسمك هو آرثر نيفلي , يحفظك الله يا عزيزي , أرجو الله أن ينجيك من الخطر

في فندق سافوي , في الموعد الذي حدده آبي ريلاند قدمت نفسي ..

قادوني إلى غرفة علوية حيث كان يجلس رجل طويل خلف طاولة ضخمة , لقد بدا نحيفا طويلا و له ذقن بارزة و أنف معقوف قليلا , عيناه اللامعتان تكادان تختفيان تحت حاجبين غليظين . أما شعره فقد كان رماديا غزيرا , و كان في فمه سيغار طويل لا يكاد يتركه

كان يتكلم بطريقة فظة من طرف من فمه , و كان يمن على محدثه بعدد الكلمات , بل يشعره أنه يتفضل عليه بالحديث :
- اجلس

جلست و كان قلبي يدق عنيفا حتى خشيت أن يسمع دقه , كان أمامه رسالة يبدو أنها بخط وزير الداخلية :
- في هذه الرسالة أنك ثقة , فهل تجيد المجاملة الاجتماعية ؟
- أظن أنني أستطيع إرضاءك في هذا
- لو كان عندي جماعة فيهم الدوق و الأيرل و الفيكونت يجتمعون في بيتي الريفي , هل تستطيع أن تجلسهم كلا في مقعده المناسب ؟
- بكل سهولة يا سيدي

تبادل معي حديثا قصيرا ثم أشعرني بالموافقة , ووجدت نفسي مستخدما عنده , فقد كان ريلاند يريد سكرتيرا مطلعا على خفايا المجتمع الإنكليزي حيث كان عنده سكرتير آخر أمريكي و كاتبة اختزال

ثم بعد يومين توجهت إلى هاتون شيز مركز دوق مقاطعة لوشير الذي استأجره ريلاند ستة أشهر , و هناك لم أجد صعوبة في تأدية واجبي ؛ فقد عملت – ذا ت يوم – سكرتيرا لأحد أعضاء البرلمان

كان ريلاند يستضيف نخبة من كبار الناس في نهاية كل أسبوع , أما سائر أيام الأسبوع فكانت هادئة نسبيا , و كان في البيت ثلة من الموظفين : كبير الخدم و مدبرة المنزل و الطاهي و خدم و خادمات , و حاولت إمعان النظر فيهم جميعا و معرفتهم عن قرب , فكنت أشعر بالريبة بكبير الخدم , أما الشاب الأمريكي السيد أبلباي فقد بدا مرحا يثق بنفسه و يتقن عمله باقتدار

ديفز الخادم الخاص للسيد ريلاند الذي أحضره من نيويورك شخص غامض و نفسي تمتلئ شكوكا فيه , و كان عنده سيدة ثقة

و اجتهدت أن أتقرب من الآنسة مارتن كاتبة الاختزال , تلك الفتاة التي تسحرك . كانت في الثالثة و العشرين تقريبا , لها عينان عسليتان و شعر خروبي مسترسل , كانت فتاة لعوبا 