 , لقد كانت الطاولة خاصة معدة لهذا الغرض بعناية

الطاولة التي تفحصتها كانت نسخة أخرى مشابهة , لقد استبدلت , و بقي الحرق هو العلامة الوحيدة على يد ويلسون اليسرى .. ألا تذكر أنه أعسر ؟ !

إن الأمر قد تم في البيت الأسفل , لكن أحد الشركاء – على الأقل – كان في بيت سافرونوف . الفتاة جندي للأربعة الكبار , تعمل كي ترث أموال سافرونوف

- و إيفان ؟
- أشك بقوة أن إيفان ما هو إلا رقم ((4)) : الشهير بأنه شخصية تقدر أن تمثل أي دور ببراعة و سهولة

تذكرت أدوار سابقة : حارس في المصحة العقلية , الجزار , الطبيب اللطيف , كلهم رجل واحد لكنهم لا يشبه أحدهم الآخر . ثم قلت في النهاية : إن ذلك مذهل .. كل شيء كان معدا , و لعل سافرونوف أحس بالخطر مما دفعه إلى التهرب من المباراة

نظر بوارو إلي نظرة عميقة , ثم أخذ يجوب الغرفة ذهابا و إيابا , و فجأة التفت نحوي و سألني :

- هل لديك كتاب عن الشطرنج يا صديقي ؟

حاولت أن أبحث له عن الكتاب , و بعد أن وجدته سلمته له فأمسك به و غاص في كرسيه الضخم يقرأه

بعد حوالي ربع ساعة رن الهاتف , كانت مكالمة من جاب , قال : لقد غادر إيفان الشقة وهو يحمل رزمة كبيرة , قفز إلى سيارة تنتظره , و بدأت المطاردة

كان يحاول تضليل متعقبيه , و في النهاية عندما ظن أنه نجح سار بسيارته نحو بيت كبير في هامستيد , البيت كان محاصرا ..

سردت المكالمة على مسمع بوارو , حدق إلي ذاهلا مما جرى , ثم فتح الكتاب عند طريقة لوبيز في الافتتاح و قال :
- انظر .. 1P-K4 , P-K4;2 KT-KB3,K-QB3;3 B-KT5
لقد كانت النقلة الثالثة إلى المربع الأبيض هي التي قتلت ويلسون , هل ينبئك هذا بشيء يا هيستنغز ؟

لم أفهم مراد بوارو فصمت حائرا .. و انطلق هو شارحا نظريته :

- هناك دائما طريقتان للنظر في الأمور . افترض يا هيستنغز أنك سمعت – و أنت جالس على هذا الكرسي – صوت الباب الأمامي و قد فتح و أغلق فماذا تستنتج ؟
- لا بد أن شخصا قد خرج .. هذا ما سيتبادر إلى ذهني
- هذا أحد الاحتمالين فقط , و الاحتمال الآخر ليس أقل شأنا : ربما كان ذلك الشخص قد دخل , أرأيت : على نفس المقدمة بني استنتاجان يناقض أحدهما الآخر

و لكنك إذا سرت في الاتجاه الخاطئ فلا بد أن يظهر لك تناقض ما يدلك على أنك في الطريق غير الصحيح

قلت : و ماذا يعني ذلك يا بوارو ؟

قفز بوارو على قدميه فجأة ثم صرخ بعنف :
- هذا يعني أني كنت غبيا ثلاث مرات , هيا أسرع إلى شقة سافرونوف لعلنا نصل في الوقت المناسب

انطلقت بنا سيارة أجرة مسرعة و لم يجب بوارو عن أسئلتي الكثيرة . صعدنا الدرج مسرعين , لم يكن هناك جواب على قرع الجرس و طرق الباب مرارا , و عندما ألقينا السمع سمعنا صوت أنين مكتوم ينبعث من الداخل

كان حارس العمارة يملك مفتاحا , و بصعوبة أقنعناه بفتح الباب , دلفنا مسرعين فإذا رائحة الكلوروفورم ووجدنا سونيا دافيلوف مكممة و مقيدة و محشوة قطنية مشبعة بالكلور تسد أنفها

أسرع بوارو لينقذها , و اتصل بالطبيب الذي وصل بسرعة و تولى العناية بها , ثم جرى تفتيش الشقة و لم نجد الدكتور سافرونوف , فقلت :
- ما معنى هذا ؟
- هذا يعني أننا ظننا الظن الخاطئ منذ البداية ... لقد كنا أمام استنتاجين متساويين فاخترنا الاستنتاج الخاطئ .. ألا تذكر استنتاجك بشأن الباب الذي فتح و أغلق ؟ كان يمكن لأي واحدة أن تنتحل شخصية سونيا دافيلوف لأن عمها لم يرها منذ سنوات طويلة
- نعم , و ماذا في ذلك ؟
- حسنا .. العكس صحيح . أيضا يمكن لأي واحد أن ينتحل شخصية العم
- ماذا ؟
- لقد مات سافرونوف فعلا عند اندلاع الثورة , أما الرجل الذي زعم أنه تحمل المشاق و هرب , الرجل الذي (( تغير كثيرا حتى فشل أصدقاؤه في التعرف إليه )) , الرجل الذي زعم أنه حصل على ثروة ضخمة ..
- من كان هذا الرجل ؟
- رقم ((4)) , لقد كان خائفا عندما أخبرته سونيا أنها استمعت إلى إحدى مكالماته , مرة أخرى استطاع الانزلاق من بين أصابعي . لقد أيقن أنني سأسير في الطريق الصحيح حتى النهاية , لقد استطاع تحويل السندات ورقا نقديا , ثم فر بها بعد أن قام بمحاولة حبس سونيا دافيلوف و بعد أن أرسل إيفان الأمين في مطاردة تصرف عنه الانتباه
- لكن من الذي حاول قتله ؟
- لا أحد , ويلسون كان الضحية المقصودة منذ البداية , و رقم ((4)) لم يكن يعرف مبادئ اللعبة , من أجل هذا كان يرفض المباراة , و لقد حاول جاهدا الإفلات منها , و حين فشل وضع نهاية مأساوية لويلسون المسكين

ويلسون كان مولعا بطريقة لوبيز , و لذلك خطط رقم ((4)) لموته في الحركة الثالثة قبل أن يتورط في أي صعوبات دفاعية

حاولت أن أناقش بوارو بصلابة و حزم :

- و لكن ألا توجد طريقة لتجنب المباراة دون اللجوء إلى القتل كأن يزعم بأن الطبيب منعه من اللعب مثلا ؟
- بلى يا هيستنغز , لديه طرق أسهل , لكنك لا تفكر بعقل رقم ((4 )) – المدمر – الذي لا يحرص أن يتجنب إزهاق الأرواح , بل ما كان يشغله أن يمثل دور اللاعب الكبير , فليس غريبا أنه قد حاول مراقبة اللاعبين , وزار عدة مباريات ليقلد الجلسة , و تقطيبة الحركات الاستعراضية , وهو نفسه يضحك ؛ لأنه لم يكن يتقن غير حركتين أو ثلاث حركات , هذه هي نفسية رقم ((4)) , و هذا هو أسلوب تفكيره

هززت رأسي استهجانا ..

- حسنا , أعتقد أنك محق , لكني لا أفهم كيف يغامر شخص هذه المغامرة و يخاطر بحياته في حين يستطيع تحقيق ما يريد بطريقة أسهل

ضحك بوارو ضحكة خفيفة وهو يقول :
- و أين تكمن المخاطرة ؟ هل كان يمكن لجاب أن يحل اللغز ؟ رقم ((4)) يثق بنفسه و لا يتعرض للمخاطرة إلا في حال أن يخطئ خطأ حقيرا
- و ما هو الخطأ الحقير ؟
- لقد غفل يا صاحبي عن الخلايا الرمادية , خلايا هيركيول بوارو

هززت رأسي و ناجيت نفسي : بوارو ذو مناقب حسنة كثيرة لكن التواضع ليس واحدا منها


