 ؟ يا بوارو متى ستكف عن محادثة نفسك ؟

نظر بوارو إلي نظرة إشفاق ثم ابتسم :
- ((قالت العنكبوت للذبابة :هلا دخلت بيتي يا عزيزتي ؟ )) هذا نشيد الأطفال عندكم يا معشر الإنكليز , أليس كذلك ؟ الحذر الحذر يا صديقي , انهم ماكرون دهاة و لكن ليس بدهاء هيركيول بوارو
- لا أفهم شيئا مما تقوله يا بوارو !
- ما زلت أسائل نفسي عن زيارة الصباح هذه , هل كانوا يأملون بالنجاح في رشوتي أم هي زيارة ترهيب لأخافهم و أترك مهمتي ؟ لكني الآن فهمت الحقيقة , إنها خطة ماكرة بلا شك و محكمة في الوقت نفسه , الظاهر هو الرشوة أو الترهيب , و المعركة كانت من أجل أن يكون سقوط المحفظة أمرا محتوما و أخيرا المصيدة : شارع إيشيلير , الساعة 11 صباحا , لكن القبض على هيركيول بوارو ليس سهلا , فليعلموا !

عرفت أني ساذج و بليد فقلت :
- يا إلهي! انهم يعلمون الشياطين المكر و الدهاء
- لكن فيها لغزا آخر : الوقت : لماذا لم يختاروا الليل ؟ أليس الليل أحسن لهم ؟ لماذا السعاة الحادية عشر صباحا ؟ هل في هذا الصباح كيد يدبرونه لا يريدون أن يعرفه بوارو ؟

كان بوارو في نوبة من الحيرة و القلق , ثم هز رأسه و قال :
- إنني ماكث هنا و لن أغادر هذا الصباح , دعنا ننتظر , سوف نرى

كان الزمن يمر بطيئا ثقيلا كأن الساعة لا تتحرك , كان في رأسي خيال كثير و حوادث , كنت أشعر أحيانا بالعجز و الضعف عن المواجهة , و أحيانا أخرى بالإخفاق في أن أفهم ما يجري

الساعة الآن الحادية عشر و النصف و لم يحدث أي جديد ..

طرق الخادم الباب و سلم ورقة صغيرة زرقاء اللون لبوارو .. إنها من مدام أوليفير تطلب منه الحضور فورا ..

و نهضنا مسرعين إلى مدام أوليفير دون تأخير , و استقبلتنا في المجلس الذي قعدنا فيه أمس , ووجدتني في دهشة مرة أخرى من شخصية هذه المرأة القوية صاحبة الوجه الذي يشبه وجه الراهبة , إنها سدت الخلل الذي كان وراء مدام كوري و بيكريل , ذات هالة علمية مذهلة و عين متوقدة تكاد تسيطر على محدثها بنظرة ثابتة من طرفها , بادرت بالقول :
- أمس قابلتماني من أجل هاليدي و بعد انتهاء المقابلة علمت أنكما دعوتما إينز سكرتيرتي , لكن دهشتي أنها غادرت القصر معكما و لم ترجع حتى الآن !
- هذه هي القضية أم عندك أمر آخر ؟
- كلا , بل الخطير أن اقتحاما تم الليلة الماضية للمختبر و اختفت أوراق و مذكرات قيمة , و لقد حاول اللصوص سرقة أي شيء آخر أشد خطرا , لكن الخزانة – من حسن الحظ – كانت مقفلة بإحكام ففشلوا أن يفتحوها !
- يجب أن علمي الحقيقة يا مدام : إن سكرتيرتك مدام فيرونوا هي الكونتيسة روساكوف اللصة المحتالة المشهورة , و هي المسؤولة عن اختفاء هاليدي , لكن كم مضى عليها و هي تعمل عندكم ؟
- منذ خمسة شهور تقريبا , ولكن هذا يدعو إلى الذهول !
- إنما هي الحقيقة , هل كان العثور على الأوراق سهلا أم أنه عمل يدل على معرفة سابقة ؟
- الأمر العجيب أن اللصوص كانوا يعرفون بغيتهم تماما , هل تظن أن مدام إينز .. ؟
- نعم لا شك أنها كانت الدليل , لكن ما هو الشيء الثمين الذي فشل اللصوص في سرقته ؟ جواهر ؟

هزت رأسها و هي تبتسم و قالت بصوت خافت :
- بل أثمن من الجواهر كثيرا يا سيد بوارو .. راديوم !
- راديوم ؟
- نعم , إنني الآن اقترب من النهاية القصوى في تجاربي , و عندي قدر قليل من الراديوم , و قد قدم لي قدر أكبر من أجل تمام أبحاثي , و هذا القدر لو كان ضئيلا فإنه بالنسبة إلى المخزون العالمي قدر عظيم تساوي قيمته ملايين الدولارات !
- و أين هو الآن ؟
- في الحقيبة الرصاصية من الخزانة المحكمة التي تبدو عتيقة لكنها – بصراحة – انتصار فني في حقل الصناعة , و هي جعلت اللصوص يفشلون !
- كم يصح أن تحفظي هذا القدر من الراديوم .
- لمدة يومين آخرين غير هذا اليوم ثم تنتهي تجاربي
- هل تفهم مدام فيرونوا هذا ؟
- نعم
- آها , إذن سيعود أصحابنا مرة أخرى , سوف أحمي ثروتك من الراديوم لكن لا تخبري أحدا .. هل عندك مفتاح للباب الذي يؤدي إلى المختبر من الحديقة ؟
- نعم , ها هو , عندي نسخة أخرى , و هذا مفتاح الباب الذي يؤدي إلى الممر الذي يطل على فيلا الجيران
- شكرا لك يا مدام , اذهبي إلى النوم و أنت مطمئنة كالعادة , لا تقولي شيئا لمساعديك لا سيما السكرتيرة , دعي الأمر لي

كان بوارو متهلل الوجه و هو يغادر بيت مدام أوليفير , و كان يفرك يديه فرحة بنصر مرتقب , كانت الأمور كأنما تشير إلى الأحسن , سألته :
- ماذا ستفعل الآن يا بوارو ؟
- الآن يا هيستنغز سوف نغادر باريس إلى إنكلترا
- ماذا ؟
- كما أقول لك , سوف نحزم أمتعتنا و نأكل غذاءنا و نذهب بالسيارة إلى جيردونورد ..
- و الراديوم ؟
- أقول : إننا سوف نسافر إلى إنكلترا , ولم أقل : إننا سنصل هناك ..

أعمل دماغك مرة يا هيستنغز , ألا تدري أنك مراقب ؟ يجب أن يطمئنوا أننا ذاهبون إلى إنكلترا , و لن يطمئنوا حتى يرونا نركب القطار و ننطلق ..

- و ننسل من القطار في آخر لحظة ؟
- كلا يا هيستنغز , بل لا يرضيهم أقل من المغادرة التي لا خداع فيها
- لكن القطار لا يتوقف إلا عند كاليه
- يقف في حالة واحد : إذا دفعنا له
- سوف يرفضون و لا يقبلون , كيف يقف قطار سريع ؟
- هناك حيلة , ما هي غرامة إساءة استعمال المقبض الصغير في القطار ؟ مائة فرنك ؟
- هل ستمسك مقبض الباب و تسحبه أنت يا بوارو ؟
- بل صديقي بيير كومبوا سيفعله , و سوف يثير ضجة كبيرة مع الحارس فيكون مشهدا يستحوذ على انتباه المسافرين فننسل في أثناء ذلك خارجين !

خطة بوارو سارت كما رسم لها بعد أن قبل صديق بوارو القديم – الذي كان على صلة ببوارو و معرفة بأسلوبه و منهاجه في العمل – و استطاع أن يصطنع ضجة كبيرة كأنها قنبلة دخانية سترت فرارنا من القطار دون أن يحس بنا أحد

و تنكرنا تماما بعدما اشترى بوارو ما يلزم ذلك ووضعه في حقيبة صغيرة , و أصبح من غير السهل أن يعرفنا أحد بعد أن رأيت مشهدنا يدل على اثنين متسكعين يلبس كلاهما قميصا ضيقا قذرا ذا ألون فاقعة تدعو إلى السخرية !

أكلنا غذاءنا في أحد مطاعم باريس المغمورة و انتظرنا مغيب الشمس و الليل يحل على شوارع باريس و أزقتها , و سيطر الظلام و أخذت مصابيح البيوت و