...
الفصل السابع

كان الأنين المبعوث في أذني من غرفة جاري في الفندق قد أرق جفني فلم أنم , و كانت الشكوى المتقطعة التي أسمعها طوال الليل تحدث في نفسي أثرا عميقا يطرد عني النعاس و يملأ ليلتي أسفا و حزنا , إنها غرفة هاليدي التي نام فيها ليلة إطلاقه , بدا واضحا أن تجربته القاسية قد حطمت أعصابه و أخذت منه مأخذا عظيما !

و عجزنا في الصباح أ ننتزع من هاليدي شيئا , كان خائفا من انتقام هؤلاء الأشرار إذا تكلم , و كان متأكدا من القوة الهائلة التي يملكها الأربعة الكبار حتى بات يرفض النقاش في أمرهم

أكل غذاءه ثم سافر إلى إنكلترا حيث زوجته و طفلته الصغيرة

وجدت نفسي متحمسا للأحداث , و رأيت أن علي أن أواجه بوارو من قريب أو بعيد , لكن هدوءه الذي أزعجني جعلني أقول :
- أرجوك يا بوارو دعنا نفعل شيئا !
- حسنا يا صديقي فماذا نفعل ؟
- نخبرهم عن الأربعة الكبار
- نخبر من ؟
- الشرطة

تبسم بوارو ببرود ثم قال :
- انهم لن يصدقونا , سيتهموننا بالجنون ؛لأننا لا نملك دليلا نستدل به , دعنا ننتظر ..
- ماذا ننتظر ؟
- ننتظرهم حتى يقوموا بتجربة , انظر إلى لعبة الملاكمة , اللعبة المفضلة لديكم في إنكلترا : إذا لم يتحرك أحدهما فلا بد أن يتحرك الآخر و يسمح أحدهم لخصمه بالهجوم ليعرف طريقته و أسلوبه , و نحن الآن ندع الخصم يهجم ..

أوجست خوفا و ريبة من كلامه :
- هل تظن أنهم سيفعلون ؟
- بلا شك , لقد حاولوا إخراجي من إنكلترا . ثم جريمة دارتمور التي ترمز لها معان مقصودة , ثم دخلنا و أنقدنا ضحيتهم من المقصلة , و أمس تدخلنا مرة أخرى في خططهم , انهم لن يقفوا حتما ساكتين إزاء ما كل ما جرى

كنت في تفكيري أتأول كلمته حين طرق الباب , و من غير استئذان دخل رجل إلى الغرفة و أغلق الباب خلفه و جلس

كان رجلا طويلا نحيفا بشرته شاحبة أنفه معوج قليلا , كان يلبس معطفا مزررا حتى ذقنه و قبعة ناعمة تغطي عينيه . قال بصوت نام :
- عذرا أيها السيدان , قد دخلت دخولا غير لائق , لكن مهمتي خطيرة !

و جلس و هو يبتسم بخبث , فأثارني هذا الموقف و كدت أثب من مكاني لو لا أن بوارو منعني بإشارة من يده , ثم سأل هذا الزائر الثقيل :
- كان دخولك فظا كما قلت , فما هي مهمتك ؟
- عزيزي السيد بوارو , أريد أن أخبرك بصراحة , أنت تزعج أصحابي
- كيف ؟
- أنت تعرف كما أعرف يا سيد بوارو
- و من هم أصدقاؤك هؤلاء ؟

لم يجبه بل أدخل يده في جيبه فأخرج علبة لفائف سحب منها أربعا و نقرها على الطاولة ثم أعادها ..
- ها ها .. نعم , فالمسألة هكذا إذن ؟ و ماذا يقول أصدقاؤك ؟
- يقولون : (( عليك أن تعمل قدراتك الخارقة في غير هذا الشأن و أن تعود إلى حل مشاكل نساء المجتمع اللندني ))
- يبدو أنه برنامج سلمي ! و إذا لم أوافق ؟

حرك يده حركة فيها معنى مقصود واضح:
- طبعا ستأسف و تندم كثيرا , وسوف يحزن كل أصحاب السيد هيركيول بوارو العظيم حزنا لا ينفعهم لأن الحزن – مهما اشتد – لا يمكن أن يعيد للأموات الحياة !
- حسنا , هب أني موافق
- إذن أدفع لك تعويضا ..

و أخرج من جيبه المحفظة و أخرج منها عشرة أوراق كل واحدة من فئة العشرة آلاف فرنك ألقى بها إلى الطاولة ثم قال :
- هذا ضمان حسن النية فحسب , سوف تعطى عشرة أضعاف هذا !

أدركت أن الخصم بين أيدينا و أن الفرصة مناسبة لإخبار الشرطة من أجل أكبر انتصار في هذا الزمان , كان قلبي ينبض بقوة , شعرت بالهيجان و لم أعد أطيق انتظارا , و صرخت بعنف و أنا أقفز من مكاني :
- يا إلهي ! هل تظن ..؟

لكن بوارو أقعدني بقوة و قال بحزم :
- اجلس يا هيستنغز , اجلس مكانك .. ما رأيك يا سيد لو اتصلت الآن بالشرطة و صديقي يمنعك من الهروب ؟
- على كل حال افعل إن كنت تظنه من الحكمة ..
- صرخت : لا أستطيع أن أحتمل أكثر .. انظر ..

نهضت بسرعة و خطوت خطوات كبيرة إلى الباب و ألصقت ظهري به , همس بوارو :
يبدو أن هذه هي الطريقة المثلى

فقال زائرنا و هو يبتسم :
- لكنك لا تثق بها , أليس كذلك ؟

و قلت بإصرار و عزم :
- هيا يا بوارو لا تتأخر !

رفع بوارو السماعة فقفز الرجل قفزة مفزعة تشبه قفزة القط لكنها إلي , كنت على أهبة له فالتحمنا بعراك شديد أشبه بالمصارعة , و شعرت فجأة أنه ضعيف جعل يهوي بين يدي فزادني همة حتى طرحته أرضا و شعرت بنشوة النصر , و أخذ خيالي يطوف في نهاية مسرحية ..

ثم كان شيء غير عادي : وجدتني مقذوفا و رأسي يضرب بالحائط , نهضت مدهوشا أبحث عن خصمي الذي اختفى , ركضت نحو الباب فوجدته مقفلا علي , أسرعت إلى الهاتف :
- مكتب الاستقبال ؟ أمسكوا الرجل قبل أن يخرج , رجل طويل يلبس معطفا طويلا مزررا و قبعة ناعمة , انه مطلوب للشرطة

مضت بضع دقائق قبل أن أسمع صوت المفتاح في الباب , كان مدير الفندق , و صرخت صرخة مجنون :
- الرجل هل أمسكتموه ؟
- لا يا سيدي لم نر أحدا ..
- كيف وقد مر بك الآن ؟
- لا يمر بي أحد بتاتا ..
- بوارو : أظن أنكم مررتم بشخص ما ربما يكون موظفا هنا ؟
- نادل يحمل طبقا لا غير يا سيد
- نعم , هكذا إذن ..

كانت الدهشة تملأ جو الفندق و الحيرة تراها في وجوه المسؤولين و خاض الناس في شك وتكذيب , لكن المسألة قد فهمها بوارو فقال بثقة :
- من أجل هذا يلبس معطفا مزررا حتى ذقنه

همست بخجل و أنا أحس بالهزيمة :
- كنت أظن أني أسقطته أرضا !
- نعم كانت خدعة يابانية , لا تثريب عليك يا صديقي , كل شيء سار حسب الخطة , خطتهم قطعا , و هذا ما كنت أريده

صرخت حين رأيت محفظة على الأرض , التقطتها بلهفة , إنها من أثر المعركة , لا بد أنها سقطت من جيب زائرنا العزيز !

كان فيها فاتورة باسم السيد فليكس لون , وورقة أخرى صغيرة من دفتر الملاحظات كتب عليها بخط غير واضح بالرصاص , كانت هذه الكلمات مثيرة لنا :
(( اجتماع المجلس القادم يوم الجمعة , الساعة 11 صباحا : 34 – شارع إيشيلير))
و إمضاء رقم ((4)) بخط كبير

و كنا في يوم الجمعة , و الساعة 10.30 , صرخت بذهول :
- يا إلهي إنها فرصة ثمينة , الأمور الآن بأيدينا , يجب أن نبدأ من هذه اللحظة .. لعل الحظ في هذه المرة كان لنا

همس بوارو كأنما يحدث نفسه :
- انه جاء من أجل ذلك , أكاد أفهم كل شيء ..
- ماذا فهمت