الفكرة , أخذت البرقية , ثم جاءتني فكرة . . أترك علامة يفهمها بوارو , أخذت أربعة كتب من الخزانة و نثرتها على الأرض , سوف يعرف أن ذلك شيء غير عادي , عندما يتذكر محاضرته المقتضبة قبل خروجه عن ضرورة الترتيب . ثم عمدت إلى مجراف الفحم فملأته و نثرت أربع فحمات في الموقد و دعوت الله أن يوفق بوارو لمعرفة هذا الرمز !

و تدحرجت على الدرج مسرعا , و أخذ الرجل الصيني البرقية , قرأها ثم أودعها في جيبه و أشار بحركة من رأسه أن أتبعه ..

قادني في طريق طويلة مملة , ركبنا القطار مرة و الحافلة مرة أخرى ثم في سيارة أجرة , و كانت الطريق إلى الشرق دائما , حتى اقتربنا من أحواض السفن فعلمت أني ذاهب إلى قلب الحي الصيني

بدأ الرعب يسري في , و شعرت بالخوف أكثر عندما توقف مرشدي بعد لف و دوران في الممرات و زقاق عند بيت خرب متهاو

طرق الباب أربعا , ففتح الباب في الحال رجل صيني آخر , أذن لنا بالدخول . هنا شعرت أن إغلاق الباب خلفي كان نعيا لآخر آمالي في هذه الحياة . . . هاأنا ذا في الأسر

قادني رجل صيني آخر عبر درجات متهاوية نحو الأسفل , إلى قبو مليء ببراميل خشبية فارغة تفوح منها رائحة التوابل الشرقية

أحسست بجو الشرق الغريب يحيط بي , أزاح الرجل بضعة براميل فظهرت فتحة أرضية لنفق مظلم , أمرني بالدخول , كان ممرا ضيقا مظلما موحشا يؤدي إلى قبو آخر !

تقدمني الرجل و ضرب على الجدار أربعا ففتح شق من الحائط , و دخلنا في ممر قصير يؤدي إلى قاعة مدهشة كأنها قطعة من قصر من قصور ألف ليلة و ليلة !

غرفة منخفضة جدرانها مكسوة بالحرير الشرقي , و الأرض مفروشة بالسجاد الثمين , مضاءة بصورة باهرة يعبق الجو فيها بالعطور الشرقية , و كان فيها بضع أرائك رائعة من صنع الصين !

جاء الصوت من خلف الستارة :
هل حضر ضيفنا الكريم ؟

أجاب الدليل :

- يا صاحب السعادة انه هنا
- دعه يدخل

فتحت الستارة فظهرت أريكة ضخمة ذات وسائد , قد جلس عليها رجل عظيم طويل , يلبس ثيابا مطرزة جميلة , و قد استطالت أظفاره بشكل ملفت للنظر . قال وهو يشير بيده :

- اجلس يا كابتن هيستنغز , تسرني رؤيتك , أشكرك على قدومك فورا و تلبية طلبي
- من أنت ؟ هل أنت لي شانغ ين ؟
- في الحقيقة لا . أنا واحد من أبسط خدمه ليس غير . إنني أفعل ما يأمرني كما يفعل عماله الكثيرون المنتشرون في كل مكان كما في أمريكا الجنوبية مثلا

انتفضت من مكاني و صرخت :

- أين هي ؟ ماذا فعلتم بها ؟
- هي في مكان آمن لم يصبها أذى حتى هذه اللحظة

كانت ابتسامته الخبيثة تثير رعشة في , و أدركت أنني أواجه شيطانا فصرخت :

- ماذا تريد ؟ المال ؟
- عزيزي الكابتن هيستنغز .. ليست لدينا مخططات للاستيلاء على مدخراتك القليلة فاطمئن , انك لم تصب الهدف , و أظن أن صاحبك لم يكن ليوافقك هذا الرأي
- أظن أنك أردت أن أقع في شركك و قد بجحت , هاأنا ذا جئتك و عيني مفتوحة , افعل بي ما تشاء و اتركها , إنها لا تعرف شيئا بتاتا , و لن يكون وجودها نافعا , قد أمسكتما لتمسك بي و تحقق لك ذلك

شعرت أن الرجل يرقب حركاتي بدقة بعينيه الصغيرتين و هو يربت على خديه :

- لقد ذهبت بعيدا جدا , المشكلة لم تحل يا كابتن .. إن القبض عليك ليس هدفنا يقينا , بل نريد صاحبك السيد هيركيول بوارو

أطلقت ضحكة سخرية و قلت له :

- لن تستطيعوا

لكنه استمر متجاهلا تعليقي :
- أرى أن تكتب رسالة إلى صديقك بوارو تقنعه بالمجيء هنا للانضمام إليك سريعا

قلت غاضبا :

- لن أفعل الرفض عاقبته لا ترضيك
- عليك اللعنة
- قد يكون مصيرك الموت

غالبت رعشة غريبة سرت في جسدي و أجبته متصبرا :

- تهديداتك لن تخيفني , و يحسن أن توفرها لأمثالك من الصينيين الجبناء
- إنني جاد يا كابتن .. للمرة الأخيرة : هل ستكتب هذه الورقة ؟
- لن أفعل
ومن فوره صفق الرجل بيديه تصفيقا رفيقا , فإذا باثنين من الخدم انشقت الأرض عنهما ينقضان علي و يقيدان ذراعي قبل أن يسحباني إلى إحدى زوايا الغرفة حيث انهارت الأرض من تحتي .

بقيت معلقا من يدي و جسمي مدلى في الشق المظلم أسمع تحتي صوت تلاطم المياه . و سمعت الصوت الهادئ للرجل الجالس على الأريكة :

- النهر . . فكر ثانية يا كابتن . سوف ينتهي أمرك في ثوان لا غير !

أعترف أنني لست من أشجع الرجال , و أعترف أن الخوف و الرعب سيطرا علي , و أيقنت أنني أعيش لحظاتي الأخيرة , و لم أملك تهدئة صوتي المرتعش و أنا أرد عليه :

- لآخر مرة . . لا . اذهب إلى الجحيم !

و أغلقت عيني – بغير إرادة مني – و دعوت دعاء قصيرا


الفصل الثالث عشر


تمر بالمرء أشياء نادرة في حياته يشعر فيها أنه يقف على حافة الموت , و هذا واحد منها , فقد على حافة الموت و هذا واحد منها , فقد أيقنت أنني أعيش لحظاتي الأخيرة !

لكنني دهشت من الحارس يعيدني إلى مقعدي أمام الرجل العظيم , الذي خاطبني قائلا :
- أنت رجل شجاع يا كابتن هيستنغز , و نحن – معشر الشرقيين – نحترم الشجعان و نقدر الشجاعة ؛ يمكن أن أقول إنني كنت أتوقع منك فعل ما فعلت , و هذا ينقلنا إلى الفصل الثاني من المأساة : انك تضطرنا لاتخاذ مسلك آخر , فهل أنت قادر على احتمال موت امرئ يهمك كثيرا بنفس القدر من الشجاعة ؟

أصابتني رعدة قاتلة و شعرت بالرعب يعتريني فقلت بصوت مخنوق :

- ماذا تقصد ؟
- لا أظن أنك نسيت زهرة الحديقة و أنها في قبضتنا

نظرت إليه نظرة أبله شارد يفيض ألما و كآبة , و قال :

- أظن يا كابتن هيستنغز أنك الآن على استعداد لكتابة الرسالة المطلوبة . . عندي نموذج للرسالة , ما عليك إلا أن تكتب ما أمليه عليك , و اعلم أنك أمام خيارين : حياة زوجتك أو موتها

تصبب العرق من جبيني و أنا أرى نفس منساقا لإرادة هذا المجرم الكبير في حين كان يبتسم بخبث و ينطق بنعومة قاتلة :

القلم جاهز في يدك , ما عليك سوى أن تكتب , و إذا لم تفعل . . .

- و إذا لم أفعل ؟
- إذا لم تفعل فان تلك السيدة التي تحبها ستموت موتا بطيئا . إن سيدي لي شانغ ين يمتع نفسه في أوقات فراغه باختراع أساليب جديدة و بارعة في التعذيب

صحت : يا الهي ! أيها الشيطان !هذا لن يكون .. انك لن تفعل ذلك

- هل أسرد عليك بعضا من أساليبه ؟

و أخذ غير مك