يفير إلى نهاية الغرفة و فتحت بابا لم ألحظه من قبل , و لمحت في الداخل مختبرا مجهزا تجهيزا حسنا مثل مختبرها في باريس . . رقم ((4)) قفز كذلك من مقعده و خرج و عاد يحمل مسدس بوارو و أعطاه إلى الكونتيسة و قال و هو متجهم :

- لا خطر من هروبهما , لكن الأحسن أن يكون معك هذا . .

و خرج مرة أخرى , و جاءت الكونتيسة إلينا و نظرت في رفيقي قليلا ثم ضحكت :

- ما أشد ذكاءك يا سيد بوارو !
- مدام , دعينا نتحدث في العمل , نحن الآن وحدنا لحسن الحظ , ماهو ثمنك ؟
- إنني لم أفهم , أي ثمن ؟
- مدام , أنت تستطيعين أن تساعدينا على الهروب , أنت تعرفين الطريق السري الذي يؤدي إلى خارج هذا المخبأ , إنني أسألك : ما هو ثمنك ؟
- أكثر مما تدفعه أيها الرجل الصغير , إن كل الأموال الدنيا لن تشتريني !
- مدام , أنا لم أتكلم عن المال , أنا رجل ذكي و أعلم أن لكل إنسان ثمنا مقابل الحياة و الحرية , أعرض عليك ما ترغبين
- إذن فأنت ساحر
- سميني بما شئت

فجأة تغيرت الكونتيسة و تكلمت بمرارة و عاطفة :

- هل تستطيع أن تنتقم من أعدائي ؟ عل تستطيع أن تعيد لي الشباب و الجمال و القلب السعيد ؟ هل تستطيع أن تحيي الميت مرة أخرى ؟ قد كان لي طفل فأرجعه إلي و اذهب حرا . . .
- أوافق يا مدام , طفلك سوف يعود إليك , هذا ضمان هيركيول بوارو نفسه
- عزيزي بوارو , أخشى أنني قد أوقعتك في الفخ , إن وعدك هذا لطف كبير لكنك لن تنجح و سوف تكون هذه الصفقة من طرف واحد
- مدام , أقسم لك أنني سأعيد طفلك إليك !
- لقد سألتك من قبل يا بوارو : هل تستطيع أن تحيي الميت مرة أخرى ؟
- إذن فإن الطفل . .
- ميت ؟ نعم . .
- و تقدم إليها و أمسك معصمها :
- مدام أنا أقسم مرة أخرى . .

حدقت إليه كأنما سحرها . قال :

- أنت لا تصدقينني . . سأثبت لك صدقي , أحضري محفظتي التي أخذوها مني . .

خرجت من الغرفة و عادت تحمل الدفتر بيدها و مازالت تقبض على زناد المسدس , أحسست أن فرصة أشيلي في خداعها كانت ضعيفة , الكونتيسة فيرا روساكوف لم تكن حمقاء . قال :

- افتحيه يا مدام , و الآن أخرجي الصورة و انظري . .

و أرخجت صورة صغيرة و هي في عجب , و ما إن نظرت إليها حتى صرخت و ترنحت كأنها توشك أن تسقط , و اندفعت ناحية رفيقي :

- أين ؟ أين ؟ سوف تخبرني . . أين ؟
- تذكري الصفقة يا مدام !
- نعم , سوف أثق بك , هيا بسرعة قبل أن يعودوا

جرته و هي تمسك بيده , و بهدوء خرجا من الغرفة و تبعتهما , و من الغرفة الخارجية قادتنا إلى النفق الذي دخلناه أول مرة , ثم دارت عن اليمين حيث تفرغ الممر لكنها قادتنا إلى الأمام بلا تردد أو شك و بسرعة , قال و هي تلهث :

- يا ليتنا نصل عاجلا و نخرج إلى المنطقة المكشوفة قبل أن يقع الانفجار !

و ما زلنا نركض , و عرفت أن النفق يؤدي مباشرة إلى داخل الجبل و أننا يجب أن نخرج أخيرا إلى الجانب الآخر منه لنقابل واديا مختلفا . .

تصبب العرق من وجهي و لكني واصلت العدو , ثم رأيت شعاع النهار من بعيد , كان يقترب أكثر فأكثر , رأيت شجيرات خضراء نامية شققنا طريقنا من بينها إلى بقعة مكشوفة ثانية مع ضوء الفجر الباهت الذي جعل كل شيء يبدو ورديا

كان كلام بوارو في حصار الجبل حقيقة , ما إن خرجنا حتى أمسك بنا ثلاثة رجال لكنهم أطلقونا مرة ثانية مع صرخة ذهول . صرخ رفيقي :

- أسرعا , أسرعا , لا وقت نضيعه . .

و لم يكن مكتوبا له أن ينهي كلامه : ارتجت الأرض و اهتزت تحت أقدامنا و كان انفجارا مرعبا , و بدا الجبل كله يتفسخ و يتشقق , طرنا عاليا في الهواء . . و فقدت الوعي

و عندما رجعت إلى وعيي كنت على سرير غريب في غرفة غريبة : شخص ما كان عند الشباك , التفت إلي و خطا ووقف جنبي

لقد كان أشيلي بوارو . . أو . . لا . . إنه هو !

هذا الصوت الساخر المعروف قد أطفأ شكوكي . .

- نعم يا صديقي , إنه هو . أخي أشيلي ذهب إلى البيت مرة أخرى , إلى أرض الأساطير , أشيلي كان أنا طيلة الوقت , لا تحسب أن رقم ((4)) هو من يستطيع أن يتنكر دون غيره , المسحوق في العينين , و التضحية بالشاربين , و أثر جرح حقيقي من الضربة التي سببت لي ألما قبل شهرين , لكني لم أستطع أن أجازف ببديل متنكر تحت عين رقم ((4)) التي تشبه عين النسر . ثم اللمسة الأخيرة هي يقينك أن لي أخا اسمه أشيلي بوارو , و ما أغلى مساعدتك لي ! إن نصف النجاح الذي حققناه في الانقلاب يرجع فضله إليك . إن عقدة المسألة كلها كانت أن أجعلهم يظنون أن هيركيول بوارو ما زال حرا طليقا يوجه التعليمات لكن كل شيء كان صادقا : اليانسون , الحصار . . الخ .
- فلماذا لم ترسل – في الواقع – بديلا عنك ؟
- و أدعك تواجه الخطر فردا ؟ ثم كان في نفسي أمل أن نهرب مع الكونتيسة
- كيف بالله عليك أقنعتها ؟ لقد كانت قصة سخيفة لكي تجعلها تصدق كل ذلك عن طفل ميت
- الكونتيسة في ذهنها حدة كبيرة يا هيستنغز , لقد فوجئت أولا من شخصيتي المتنكرة لكنها عرفت الحقيقة بعد ذلك , حين قالت (( ما أشد ذكاءك يا سيد بوارو )) عرفت أنها خمنت الحقيقة , لذلك كان الوقت مناسبا تماما لألعب ورقتي الرابحة
- كل ذلك هراء عن إعادة الطفل إلى الحياة ؟
- تماما , لكن الطفل كان معي منذ البداية
- ماذا ؟
- نعم , أنت تعرف شعاري : (( كن مستعدا )) حين وجدت الكونتيسة متورطة مع الأربعة الكبار عرفت كل ما أستطيع عنها و عن ماضيها فعلمت أنها كان لديها طفل قيل بأنه قتل , ثم نجحت في اقتفاء أثر الولد و دفعت مالا كثيرا حتى جاز لي أن أتبنى الطفل , كاد الطفل المسكين يموت لولا أبقيته عند أناس طيبين في مكان آمن و صورته في بيته الجديد , و هكذا حين آن الأوان كان انقلابي حاضرا
- ما أروعك يا بوارو , ما أروعك !
- لقد كنت مسرورا بأني فعلت ذلك ؛ لأنني كنت معجبا بالكونتيسة , و كنت سآسف لو أنها ماتت في الانفجار
- ماذا عن الأربعة الكبار ؟
- لقد تم انتشال كل جثثهم الآن , لم نعرف جثة رقم ((4)) تماما , فقد تمزق جسده إربا , كنت أتمنى ألا يحدث ذلك , ولكن انظر إلى هذه . .

و أعطاني صحيفة فيها خبر انتحار لي شانغ ين قائد الثورة الحديثة الفاشلة , قال :

- خصمي العظيم , كان قدري ألا ألقاه و كلانا حي , حين بلغه نبأ ال