لم نكن خارج الفندق , و كل ما استطعت أن أسمعه حولي هو صراخ و تساؤل الناس عما أصاب المصابيح

أنزلني خاطفي إلى سلم لولبي عبرنا ممرا في سرداب ثم خرجنا من باب إلى الهواء مرة أخرى ثم إلى باب زجاجي وراء الفندق , ثم التجأنا إلى أشجار الصنوبر , و لمحت رجلا آخر معي فعرفت أن بوارو أسير أيضا !

و بهذه الجرأة ربح رقم (( 4 )) اليوم , أظنه استعمل مخدرا سريعا لعله كلوريد الإيثيل : كسر زجاجة صغيرة تحت أنفينا , ثم غمرة فوضى دفع شركاؤه – و لعلهم الضيوف الجالسون حولنا – بالكمامتين في فمينا و أسرعوا بنا خارجين إلى مكان بعيد

لقد دفعنا بسرعة في الغابات , و كنا طيلة الوقت نصعد نحو أعلى الهضبة , ثم في النهاية خرجنا إلى مكان مكشوف عن جانب الجبل , و رأينا أمامنا تلا غريبا من الصخور الرائعة و الجلاميد . لا شك أن هذا المكان هو الفيلسن لابايرينث الذي ذكره هارفي

في الحال كنا ندور في منعرج دخولا و خروجا من تجاويفه . . متاهة نحتها شيطان شرير !

فجأة توقفنا فقد اعترضتنا صخرة ضخمة, وقف أحد الرجال وبدا كأنه يدفع شيئا حين تدحرجت الصخرة الكبيرة و كشفت عن نفق صغير له فتحة تؤدي إلى جانب الجبل . أسرعنا ندخله , كان النفق ضيقا في البداية , لكنه لم يلبث أن اتسع حتى خرجنا إلى غرفة صخرية مضاءة بالكهرباء , ثم رفعت الكمامتان عن فمينا , و بإشارة من رقم ((4)) الذي وقف مقابلنا ساخرا فتشوا جيوبنا و أخرجوا كل شيء في جيوبنا حتى مسدس بوارو الصغير , و قذفوه على الطاولة , و أصابني ألم مفاجئ : لقد غلبنا , غلبونا و تفوقوا علينا !

قال رقم ((4)) باستهزاء :

- مرحبا بكما في قيادة الأربعة الكبار يا سيد بوارو , ما أحسن لقاءك مرة ثانية , فهل كانت البعثة من الموت من أجل هذا ؟

لم يجبه بوارو , و لم أجرؤ على النظر إليه فيما أكمل قائلا :

- تعال من هذه الطريق لو سمحت . . إن حضورك سيكون مفاجأة لأصحابي

ثم أشار إلى باب ضيق في الحائط دخلنا منه فإذا نحن في غرفة أخرى في آخرها طالولة عندها أربعة كراسي , كان الرابع منها خاليا لكنه مكسو برداء المندرين

على الكرسي الثاني كان يجلس آبي ريلاند يدخن السيجار , مدام أوليفير كانت على الكرسي الثالث و تتكئ على ظهر الكرسي بعينها المتوجهة ووجهها الخاشع كالراهبة , جلس رقم (( 4 )) على الكرسي الرابع . . لقد كنا في حضرة الأربعة الكبار !

لم أشعر من قبل بوجود لي شانغ ين حتى رأيت كرسيه الخالي , إنه بعيد , في الصين , لكنه سيطر على هذه المنظمة الخبيثة و أدارها

مدام أوليفير صرخت صرخة باهتة حين رأتنا , ريلاند كان يضبط نفسه أكثر , و رفع حاجبيه الأشيبين و قال على مهل :

- السيد هيركيول بوارو ! إنها مفاجأة , لقد أنجزت عملك بنجاح و خدعتنا , ظننا أنك مت و دفنت , لا علينا فقد انتهت اللعبة الآن . .

كان في صوته رنة كأنها رنة فولاذ !

و لم تقل مدام أوليفير شيئا لكن كانت عيناها تشتعلان ,, ما أسوأ ابتسامتها الباردة ! و قال بوارو بهدوء :

- أيتها المرأة و أيها السيدان , أرجو لكم أمسية طيبة

شيء مفاجئ , صوت لم أكن أتوقع سماعه جعلني أنظر فيه , بدا رابط الجأش , و لكن مع ذلك لمحت في وجهه شيئا مختلفا . . ثم تحركت الستارة من خلفنا و دخلت الكونتيسة فيرا روساكوف , و قال رقم ((4)) :

- ها . . صاحبتنا الغالية الثقة , عندنا صديق قديم لك هنا يا سيدتي العزيزة . . .

صعقت الكونتيسة لمرآنا و صاحت :

- يا لله , هذا هو الرجل الصغير , إنه كالقط : له تسعة أرواح ! رجل صغير , لماذا تتورط في هذا ؟
- مدام , أنا مثل نابليون العظيم : أنتمي إلى الكتائب المنظمة . .

و بينما كان يتكلم رأيت في عينيها ارتيابا مفاجئا , و في اللحظة نفسها عرفت شيئا . . الرجل الذي كان جنبي لم يكن هيركيول بوارو !

لقد كان يشبهه كثيرا , رأسه بيضاوي كرأسه , يمشي باختيال مثله , و كان ممتلئ الجسم على نحو جميل , لكن الصوت كان مختلفا و العينان سوداوين لا خضراوين , ثم الشارب ؟ الشارب المشهور . .

تقدمت الكونتيسة إلى الأمام و صوتها يرن بالدهشة :

- لقد خدعتم . . هذا الرجل ليس هيركيول بوارو !

صاح رقم (( 4 )) صيحة شك , لكن الكونتيسة تقدمت من بوارو و نزعت شاربه بيدها , ثم كانت الحقيقة : لأن شفة هذا الرجل مخدوشة خدشا غير صورة الوجه تماما , همس رقم ((4)) :

- إنه ليس هيركيول بوارو , فمن يكون إذن ؟
- وصرخت فجأة : أنا أعرف

ثم سكت جامدا خشية أن أكون قد أفسدت كل شيء , لكن صاحبي التفت إلي ليشجعني :

- قلها إن أردت , لقد نجحت الحيلة !
- هذا أشيلي بوارو أخو بوارو التوأم
- قال ريلاند بحيرة : مستحيل !
- أشيلي بهدوء : لقد نجحت خطة بوارو نجاحا رائعا . .

تقدم رقم ((4)) , و كان صوته خشنا متوعدا :

- نجحت ؟ هل تعرف أنك ستموت ؟
- أشيلي بهدوء : أجل أعرف , أنت لم تفهم أن رجلا باع حياته ليشتري النجاح , في الحرب رجال يضحون بأرواحهم من أجل بلادهم , و أنا أضحي بحياتي من أجل العالم

تذكرت حينئذ أنني كنت أرغب التضحية بحياتي على إلحاح بوارو أن أبقى , شعرت بالرضى , سأله ريلاند بتهكم :

- و كيف تنفع تضحيتك للعالم ؟
- لم تدركوا بعد جوهر خطة بوارو , أولا : كان مخبأكم معروفا منذ بضعة أشهر ؛ لقد كان كل الزوار و موظفي الفندق من رجال التحري , لقد ضرب حصار حول الجبل لكيلا تستطيعوا الهروب . إن بوارو نفسه يدير العمليات من الخارج , و لقد لطخت حذائي باليانسون إلى الصخرة هذه الليلة قبل أن أنزل إلى الحديقة مكان أخي , الكلاب تتعقب الآثار , سوف يقودهم أثر اليانسون إلى الصخرة التي في فيلسن لابايرينث حيث المدخل , إذن فافعلوا ما تريدون . . . الشبكة حولكم مشدودة بإحكام و لن تستطيعوا الفرار !

ضحكت مدام أوليفير فجأة :

- إنك مخطئ , أمامنا طريق نهرب منها مثل الشمشون القديم : سندمر أعدائنا , ماذا تقولون يا أصحابي ؟

كان ريلاند يحدق إلى أشيلي . . قال بصوت غليظ :

- لعله يكذب
- سيبزغ الفجر في ساعة و سترى حقيقة كلماتي , لا ريب أنهم قد تبعوا آثار أقدامي حتى باب فيلسن لابايرينث !

و بينما كان يتكلم سمعنا رجع صوت و صراخ رجل متقطع , قفز ريلاند من كرسيه و خرج , و قامت مدام أول