هاز لاسلكي لأتباعهم الذين ينتشرون بالآلاف في كل بلد , و من ذاك الوكر سيخرج حكام العالم المستبدون الجدد . . أعني , كانوا سيخرجون لو لم يكن هيركيول بوارو موجودا !
- حقا تقول يا بوارو ؟ و ماذا عن الجيوش و آلات الحضارة ؟
- إن الخطر في تجارب مدام أوليفير , لقد نجحت في تحرير الطاق الذرية و تسخرها لخدمة أغراضها , كانت تجاربها بالنتروجين مشهورة جدا , و قد جربت أيضا تركيز الطاقة اللاسلكية لتركيز إشارة لاسلكية ذات ذبذبة عالية على بقعة ما , و حققت تقدما أبعد بكثير مما زعمته ! و لا تنس ثروة ريلاند و عقل لي شانغ ين : أعظم عقل إجرامي في التاريخ !

كلماته جعلتني أفكر , أحيانا يبالغ بوارو في لغته , لكني عرفت لأول مرة أي صراع يائس كنا فيه !

و في الحال عاد هارفي و انضم إلينا وواصلنا الرحلة . وصلنا إلى ساحة بولزانو ظهرا , ثم ركبنا سيارة من السيارات الزرقاء الموجودة في ساحة البلدة . و رغم حر النهار كان بوارو ملفعا بمعطف كبير ووشاح حتى عينيه و شحمتي أذنيه , ربما من الحذر أو هو خوف زائد من البرد

و تمت الرحلة في ساعتين . كانت رائعة , اخترقنا النحدرات الصخرية الضخمة و كان الشلال قريبا منا , ثم دخلنا واديا خصبا بضعة أميال ثم صعدنا إلى أعلى بطريق معوج , و في أسفل الطريق حواف صخرية تظهر في آخرها غابات الصنوبر الكثيفة ... ما أجمل ذاك المكان !

و أخيرا دخلنا منعطفا خفيا و الطريق تجري من بين غابات الصنوبر , و وصلنا فندقا ضخما . .

كانت غرفنا محجوزة و صعدنا إليها بأمر هارفي فورا غرف تطل على القمم الصخرية و المنحدرات الطويلة من غابات الصنوبر , أومأ بوارو بيده إليها و سأل هارفي همسا :

- هل هو هناك ؟
- أجل , مكان يدعى (( فلسن لابايرنث )) , الصخور فيه مشكلة بصورة رائعة , و فيه طريق تخترقها , المحجر عن يمين الطريق , ربما يكون المدخل في فلسن لا بايرينث

هز بوارو رأسه , قال لي :

- تعال يا هيستنغز نجلس على المصطبة و نستمتع بضوء الشمس
- و هل تظن ذلك أمرا حكيما ؟

هز كتفيه استهجانا الحق أن ضوء الشمس كان لطيفا , و شربنا القهوة بالقشدة , ثم صعدنا إلى الطابق العلوي ووضعنا متعانا في الخزائن , و كان بوارو ساهما يفكر , هز رأسه مرتين و تنهد . .

و أثار اهتمامي رجل نزل من قطارنا في بولزانوا و استقبل بسيارة خاصة , كان رجلا ضئيل الحجم , و كان ملفعا بثيابه مثل بوارو , و كان يلبس – زيادة على المعطف و الوشاح – نظارة داكنة , و كنت مؤمنا أن لدينا جاسوسا للأربعة الكبار لكن بوارو لم يوافقني , ثم عندما أخرجت رأسي من شباك غرفة النوم لمحته يتمشى قريبا من الفندق

أصررت على بوارو ألا ينزل للعشاء , لكنه أبى , دخلنا غرفة الطعام متأخرين و أشير إلينا بالجلوس عند طاولة قريبا من الشباك

و بينما نحن جلوس شدتنا صيحة صوت تحطم صحن سقط , كان في الصحن فاصوليا خضراء أمام رجل عند الطاولة القريبة منا . و جاء مدير الصالة يعتذر

و عندما كان النادل الذي أسقط الصحن يقدم لنا الحساء كلمه بوارو قائلا :

- هذا حادث سيء , لكنها لم تكن غطلتك
- هل رأى السيد ذلك ؟ لم تكن غلطتي , الرجل وثب من كرسيه . .

رأيت عين بوارو تشع بالضوء الأخضر الذي كنت أعرفه جيدا , و عندما غادر النادل همس في أذني :

- هل ترى يا هيستنغز ؟ هيركيول بوارو و تأثيره حيا و ميتا !
- هل تظن .. ؟

لم أستطع أن أكمل , أحسست بيد بوارو على ركبتي بينما كان يهمس مندهشا :

- انظر يا هيستنغز انظر : عادته في الخبز . . رقم ((4)) !

حقا , صاحبنا الذي على الطاولة المجاورة وجهه شاحب , كان يفتت الخبز بطريقة آلية . . تمعنت فيه بحذر , وجهه حليق و منتفخ و شاحب شحوبا مصطنعا , و تحت عينيه تجاعيد كبيرة , و من أنفه خطوط عميقة حتى شفتيه , عمره بين الخامسة و الثلاثين و الأربعين , لم يكن يشبه أحدا ممن تشبه بهم رقم ((4)) من قبل , و لولا عادته في الخبز لأقسمت أني لم أره من قبل قط . . همست :

- لقد عرفك , ما كان يجب أن تنزل . .
- يا صديقي هيستنغز الرائع , إنما كنت ميتا ثلاثة أشهر من أجل هذا
- لكي ترهب رقم ((4))
- لكي أرهبه لحظة يلزمه العمل فيها بسرعة , و هو لا يعرف أننا عرفناه , يظن أنه آمن في تنكره الجديد . كم أدعو لفلوسي مونرو لأنها حدثتنا عن عادته النافعة هذه !
- ماذا سيحدث الآن ؟
- ماذا يمكن أن يحدث ؟ لقد بعث الرجل الذي يخشاه من موته بمعجزة في اليوم الذي نضجت فيه خطط الأربعة الكبار , مدام أوليفير و آبي ريلاند أكلا غذاءهما هنا اليوم , و أظنهما ذهبا إلى كورتينا , ماذا نعرف عنهم ؟ هذا سؤال رقم (( 4 )) لنفسه .. إنه لا يجرؤ على المجازفة . .

نهض الرجل عن الطاولة المجاورة و خرج , و قال بوارو بهدوء :

- ذهب لإعداد خطة صغيرة , ألا نشرب قهوتنا في الحديقة ؟ سوف أصعد لآخد معطفا

و خرجت إلى ال0حديقة و أنا مضطرب قليلا ,كلام بوارو لم يقنعني , فرأيت أن أظل على حذر كبير

بعد خمس دقائق رجع بوارو , و كان متلفعا حتى أذنيه : تلك هي احتياطاته المعتادة ضد البرد . قعد جنبي و رشف قهوته بإعجاب , قال :

- في إنكلترا تكون القهوة رديئة , أما أهل بقية أوروبا فيعرفون كم هو مهم إتقان تحضيرها !

ثم ظهر صاحبنا في الحديقة فجأة , و بغير تردد أقبل علينا و سحب كرسيا إلى طاولتنا :

- هل تسمحان أن أجلس معكما ؟
- قال بوارو : طبعا تفضل

و شعرت بالربكة , صحيح أننا كنا في حديقة الفندق و الناس حولنا لكنني لم أكن راضيا بل أوجست خطرا

في غضون ذلك تحدث رقم (( 4)) بطريقة طبيعية , توحي أنه ليس إلا سائحا بلا شك , لقد وصف النزهات و رحلات السيارة و ذكر أنه اتخذ موقفا في مكان مجاور !

أخرج غليونا من جيبه وجعل يشعله , وأخرج بوارو علبة التبغ الصغيرة , و حين وضع لفافة بين شفتيه مال إليه الرجل الغريب مع عود ثقاب :

- دعني أشعلها لك

و بينما هو كذلك إذا انطفأت كل المصابيح , سمعت طقطقة زجاج و أحسست شيئا لاذعا تحت أنفي كاد يخنقني !


الفصل الثامن عشر

لم أفقد وعيي أكثر من دقيقة, صحوت لأجدني أحرك بقوة بين رجلين يمسكان بذراعي و يساعدانني على النهوض , و كان في فمي كمامة !

كان المكان حالك السواد لكني ظننت أننا 