...
الفصل السابع عشر


في معتزلنا الهادئ في جبال الأردنيز كنا نراقب الأمور . كانت تصلنا الكثير من الصحف , وفي كل يوم كان بوارو يتلقى ظرفا ضخما , واضح أنه يحتوي على تقرير من نوع ما .

لم يكن يريني هذه البيانات لكنني كنت أفهم من رجهه إذا كانت مرضية أو لا , إنه لم يتزحزح عن عقيدته أن خطتنا هي التي سوف تنجح قال لي في أحد الأيام :

- لقد كنت في خوف دائم من أن موتك يقف على عتبة بابي , و هذا جعلني غضبان , لكنني الآن راض تماما , ولو أنهم عرفوا أن كابتن هيستنغز الذي نزل في الأرجنتين هو رجل غيره فإنهم يظنون أنك تطوقهم بطريقة ذكية من عندك , و لن يجتهدوا في معرفة مكانك , هم مؤمنون بحقيقة واحدة . . أنني قد مت , سوف يستمرون في العمل و ينضجون خططهم
- و بعد ذلك ؟
- بعد ذلك يكون بعث هيركيول بوارو , سأعود و أظهر في اللحظة الأخيرة و أحقق النصر العظيم !

لقد عرفت أن غرور بوارو , و هو درع من فولاذ , يصمد في كل الهجمات و أن حماسه لا يفتر

- أنت ترى يا هيستنغز أنها كالحيلة الصغيرة التي تلعبها بالورق : تأخذ الشباب الأربعة , تقسمهم , و تقطع الورق و تخلطه , و هنا يعودون جميعا إلى بعض مرة أخرى . هذا هو هدفي : كنت أناضل مرة ضد واحد من الأربعة الكبار , و مرة ضد واحد آخر , , لكن دعني أجمعهم الآن جميعا مثل الشباب الأربعة , ثم بعد ذلك أدمرهم بانقلاب واحد
- و كيف تنوي جمعهم معا ؟
- بانتظار اللحظة الأشد خطورة , سنبقى بعيدين حتى يصبحوا جاهزين لأداء ضربتهم
- هذا يعني انتظارا طويلا !
- أنت دائما متعجل يا هيستنغز الطيب . . لا , لن يطول ذلك كثيرا , فالرجل الوحيد الذي كانوا يخافونه قد ابتعد عن طريقهم , شهران أو ثلاثة أشهر ليس أكثر

ذكرني كلامه بإنغليز و ميتته المأساة , ثم تذكرت أنني لم أخبر بوارو عن الرجل الصيني الذي كان يحتضر في مستشفى سانت غليز , أنصت إلى قصتي بانتباه شديد :

- خادم إنغليز ؟ و الكلمات التي نطقها كانت إيطالية ؟ هذا عجيب !
- هذا هو سبب شكوكي أنها ربما تكون مكيدة من الأربعة الكبار
- أخطأت يا هيستنغز , أعمل خلاياك الرمادية . . إذا أراد عدوك خدعتك فإنهم حتما سيجعلون ذاك الصيني ينطق بالإنكليزية نطقا ركيكا , لقد كانت الرسالة محكمة , أعد علي ما سمعته مرة أخرى . .
- قبل كل شيء ردد الكلمتين : (( هاندلز لارغو )) ثم قال : (( كاروزا )) معناها حافلة , أليس كذلك ؟
- و ماذا بعد ؟
- ثم قال (( كارا )) : اسم رجل ما أو اسم امرأة , و قال بعدها : (( زيا )) ..
- إن (( كارازيا )) هامة جدا يا هيستنغز
- لم أفهم . .
- يا صديقي العزيز , الإنكليز لا يعرفون الجغرافيا
- الجغرافيا ؟
- أقول بأن السيد توماس كوك ربما يكون هو الهدف مرة أخرى

و رفض بوارو أن يقول أي كلمة أخرى . كانت حيلة تبعث على السخط , لكنني لاحظت أنه صار فكاهيا مرحا كأنما سجل نقطة

و سارت الأيام مملة , كان في الدارة أعداد كبيرة من الكتب لكني كنت أضيق أحيانا بالخمول في حياتنا , و عجبت من هدوء بوارو , حتى كانت نهاية شهر حزيران الحد الأقصى الذي ضربه بوارو لهم حين وصلنا خبر عن الأربعة الكبار . .

وصلت سيارة إلى البيت في وقت باكر من الصباح , و كان ذلك حدثا غير عادي فنزلت مسرعا لكي أشبع فضولي , و جدت بوارو يكلم شابا في مثل عمري ذا وجه مرح , و قدمني إليه :

- هذا هو كابتن هارفي يا هيستنغز , و احد من أعظم رجال استخباراتكم شهرة !

قال هارفي وهو يضحك :

- أخشى أنني لست مشهورا بتاتا !
- لست مشهورا إلا بين هؤلاء الذين يعرفونك , معظم أصدقاء الكابتن هارفي يحسبونه رجلا قد نذر نفسه للحيل

ضحكنا نحن الاثنين , و قال بوارو :

- هيا إلى العمل , إذن فأنت ترى أن الوقت قد حان ؟
- حتما يا سيدي , لقد عزلت الصين أمس سياسيا , ماذا يجري ؟ لا أحد يعلم شيئا , كتمان طويل و صمت !
- قد كشف لي شانغ ين خططه . . ماذا عن الآخرين ؟
- آبي ريلاند وصل إنكلترا قبل أسبوع و طار إلى أوروبا أمس
- و مدام أوليفير ؟
- غادرت باريس الليلة الماضية
- إلى إيطاليا ؟
- إلى إيطاليا يا سيدي , كلاهما ذهب – حسب معلوماتنا – إلى المنتجع الذي أشرت إليه . لكن كيف عرفت أن . . ؟
- ذاك من عمل هيستنغز

نظر إلي هارفي بتقدير , و شعرت بعدم الارتياح . . قال بوارو :

- إذن فكل شيء يمشي بنظام – و صار وجهه شاحبا و جادا – لقد حان الوقت , هل تمت كل الإعدادات ؟
- كل شيء أمرت بتفيذه قد تم , إن حكومات إيطاليا و فرنسا و إنكلترا تقف وراءك !

قال بوارو باسترخاء :

- ذلك حلف جديد , إنني مسرور لأن ديسجارديو اقتنع أخيرا , جيد , إذن سوف نبدأ , أو – على الأصح – سوف أبدأ . أنت يا هيستنغز تبقى هنا , نعم , أرجوك حقا يا صديقي إنني لجاد

صدقته , لكني لم أرض أن أبقى هناك!
كان جدالا قصيرا و حاسما ثم كنا في القطار إلى باريس :

- إن لك دورا يا هيستنغز ؛ قد أفشل من دونك , لكني شعرت أن من واجبي أن ألح عليك بالبقاءء
- إذن ففي الأمر خطر ؟
- حيث يكون الأربعة الكبار يا صديقي يكون الخطر

وصلنا باريس , و ركبنا سيارة إلى جير دي ليست , ثم أعلن بوارو عن وجهته , كنا متجهين إلى بولزانوا الإيطالية

و حين خرج هارفي من مقصورتنا سألت بوارو لماذا قال بأن كشف موعد اللقاء كان من عملي فقال :

- لأن إنغليز استطاع أن يعلم شيئا و يرسله إلينا مع خادمه , فكيف عرف ما عرف ؟ إننا متجهون يا صديقي إلى (( كاريرسي )) الاسم الإيطالي الجديد للاوجودي كاريزا , هل فهمت الآن من أين جاءت كلمة (( كارازيا )) و (( لارجو )) ؟ أما كلمة (( هاندلز )) فمن خيالك
- كاريرسي ؟ لم أسمع بها من قبل
- ألم أقل لك إن الإنكليز لا يعرفون الجغرافيا ؟ هي منتجع معروف , منتجع صيفي جميل جدا على ارتفاع أربعة آلاف قدم في دوموليت
- هناك يكون لقاء الأربعة الكبار ؟
- ذاك مقر قيادتهم , هناك يعتزلون العالم و يصدرون أوامرهم , لقد تحققت من هذا الأمر , هناك عدد من المنشآت الصخرية يجري تنفيذها , و لعل الشركة التي تنفذها شركة إيطالية صغيرة يسيطر عليها آبي ريلاند . أقسم أن بيتا تحت الأرض قد تم حفره في قلب الجبل , بيت مخبوء يصعب الوصول إليه ! من هناك يصدرون أوامرهم بج