و أحترس . .

و بينما أنا أعرض كل هذه الحقائق و أدرس خير طريقة للعمل رن الهاتف :

- نعم .. مرحبا .. من يتكلم ؟
- مستشفى سانت جيلز , عندنا رجل صيني طعن بالسكين و أحضر إلينا , لن يعيش طويلا , لتصلنا بك لأننا وجدنا في جيبه قصاصة ورق عليها اسمك و عنوانك . .
- سأحضر فورا

كنت مذهولا !

مستشفى سات جيلز بجانب أحواض السفن , إذن فلعل الصيني يكون قد خرج لتوه من سفينة . . أم أن الأمر كله فخ ؟ مهما يكن فربما يكون لشانغ ين يد فيما يجري ! لن تضرني زيارة المستشفى , عسى أن يبوح لي الصيني المحتضر بشيء أستنير به , لكنني سأتكلف الحماقة و أنا – في الواقع – يقظان

وصلت المستشفى , و بعد أن عرفت بنفسي قادتني بعض الممرضات فورا إلى جناح الحوادث

رأيت الصيني راقدا بدون حركة , جفناه مغمضان و صدره ينبض نبضا ضعيفا يدل أنه مازال يتنفس . وقف عنده الطبيب و أصابعه تجس النبض , همس :

- كأنه ميت , هل تعرفه ؟
- لا , لم أره من قبل أبدا
- إذن ما شأن اسمك و عنوانك في جيبه ؟ أنت كابتن هيستنغز , أليس كذلك ؟
- بلى , و لكنني لا أدري . .
- عجبا ! أوراقه تثبت أنه كان خادما عند رجل يدعى إنغليز , موظف مدني مسرح , و أنت تعرفه , أليس كذلك ؟
- لقد رأيت خادم إنغليز من قبل لكني لا أستطيع أن أميز صينيا عن آخر , لابد أنه كان مع إنغليز في طريقه إلى الصين و بعد حصول الكارثة رجع هنا برسالة قد تكون خاصة بي , يجب أن أسمع الرسالة .. سألت الطبيب :

- هل هو في وعيه ؟ ألا يستطيع الكلام ؟ السيد إنغليز كان صديقي القديم و لعل هذا المسكين قد أحضر لي رسالة منه , إذ يعتقد أن السيد إنغليز قد اختفى عن ظهر سفين قبل عشرة أيام . .

- إنه واع لكن ربما لا يستطيع النطق , فقد دما كثيرا , أستطيع أن أعطيه حقنة منشطة لكننا عملنا كل ما بوسعنا

و حقنه الطبيب بإبرة تحت الجلد و بقيت عنده راجيا أن يتكلم كلمة واحدة أو إشارة ربما تكون هامة عندي , ولكن الدقائق مرت و لم يتحرك

و فجأة , خطرت ببالي فكرة مقلقة . .

ألم أكن قد وقعت في فخ ؟ فليكن هذا الرجل انتحل شخصية خادم إنغليز و أنه في الحقيقة جندي للأربعة الكبار , ألم أقرأ مرة أن كهنة في الصين يقدرون أن يتظاهروا بالموت ؟ أو أبعد من ذلك : لعل لي شانغ ين قد أمر جماعة من جنوده الذين يحبون أن يتظاهروا بذلك . . لا بد أن أحذر . .

في اللحظة هذه تحرك الرجل في سريره , فتح عينيه , همس كلاما و عينه علي , لم يقم بأي حركة تدل أنه عرفني , و لكني أدركت حالا أنه يريد أن يكلمني , وسواء كان صديقا أو عدوا , ينبغي أن أستمع إليه

انحنيت فوق السرير لكنني لم أفهم شيئا من صوته المتهدج , سمعت كلمة (( هاند )) و لم أفهمها , ثم سمعت كلمة أخرى (( لارغو )) , حدقت إليه بذهول و سألته :

- (( هاندلز لارغو )) ؟

طرف أجفانه بسرعة كأنه وافق , ثم أضاف كلمة إيطالية :

- (( كاروزا )) ؟

ثم تراجع فجأة . دفعني الطبيب جانبا , كان كل شيء قد انتهى , فالرجل قد مات !

خرجت مرة أخرى إلى الهواء و أنا في حيرة . . إذا كنت أذكر (( كاروزا )) بشكل جيد فمعناها باص . . ماذا وراء هذه الكلمات القليلة ؟ الرجل صيني و ليس إيطاليا فلماذا يتكلم الإيطالية ؟ فإن يكن هذا خادم إنغليز فلا بد أن يعرف الإنكليزية . . الأمر عجيب , يا ليت بوارو عندي لكي يحل هذه المشكلة !

و دخلت بعد أن فتحت الباب و صعدت ببطء إلى غرفتي , فوجدت على الطاولة رسالة , فتحتها فتحجرت في مكاني في الحال , كان بلاغا من شكرة المحامين , الرسالة تقول :

(( سيدي العزيز ,

حسب وصية موكلنا السيد هيركيول بوارو نرسل إليك هذه الرسالة المرفقة التي وصلتنا قبل اسبوع من وفاته و فيها أنه يجب علينا أن نرسلها إليك في تاريخ معين بعد وفاته . .

المخلص . . .))

قلبت الرسالة المرفقة مرة تلو الأخرى , حتما هي من بوارو , أنا أعرف كتابته , و بقلب مثقل و لهفة فتحتها . . .

(( صديقي العزيز المحب ,
لن أكون موجودا لدى استلامك هذه الرسالة لا تأسف علي و لكن اتبع أوامري :
عند استلامك هذه الرسالة عد إلى أمريكا الجنوبية فورا , لا تكن عنيدا , إنني لا أناشدك أن تنجز هذه الرحلة من أجل العاطفة , بل إنها ضرورية , جزء من خطة بوارو , و لعلك فهمت يا صديقي الذكي . .
. . فليسقط الأربعة الكبار !
هيركيول بوارو )) .


قرأت هذا البلاغ مرارا , شيء واحد كان واضحا : لقد أعد الرجل المذهل لكل وجه حتى أن موته لم يضرب تسلسل خطته : أنا العضو المنفذ وهو العقل المدبر , أعدائي سوف يحسبون أني أطعت تحذيرهم فلا ينشغلون بي , و أعود دون اشتباه و أدمرهم . .

وأرسلت برقية و حجزت على السفينة (( أنزونيا )) في طريقي إلى بيونس آيرس , و بعد أن غادرت السفينة مرفأها أحضر لي المضيف رسالة أخذها من رجل ضخم يلبس معطف فرو غادر السفينة قبل أن ترفع ألواح المعابر الخشبية , فتحتها . . كان فيها كلمتان :
أنت حكيم .
رقم {{4}}

و ضحكت في نفسي

البحر كان هادئا , واستمتعت بعشاء حسن , و رأيت – مثل سائر زملائي المسافرين – أن ألعب مباراة أو اثنتين في البريدج , ثم عدت ونمت كالقتيل , و هذا حالي كلما ركبت سفينة

و صحوت من إحساسي بأنني كنت أهتز مرارا , رأيت – و أنا مذهول – قبطانا يقف فوقي

- شكرا لله ! صحوت أخيرا ؟ هل تنام دائما في هذه الهيئة ؟
- ماذا في الأمر ؟ هل أصاب السفينة شيء ؟
- ظننت أنك تعرف . . إنها أوامر قيادة البحرية , مدمرة تنتظرك لتأخذك معها
- ماذا؟ في وسط المحيط ؟
- ليس هذا شأني , لقد أرسلوا إلى السفينة شابا يحل محلك , و قد أقسمنا جميعا على السرية . هلا نهضت و لبست ثيابك ؟

فعلت ما طلب مني و أنا عاجز عن كتمان عجبي

تم إنزال قارب و حملت على ظهر مدمرة , و استقبلوني بترحيب لكني لم أفهم شيئا , كانت أوامر القائد أن أنزل في بقعة ما على الساحل البلجيكي , هناك تنتهي معرفته و مسؤوليته

كل شيء كان كالحلم , لكن ما استقر في قلبي أن هذا لا بد أن يكون جزءا من خطة بوارو , ينبغي أن أسير كالأعمى واثقا من صديقي الذي مات !

هبطت في نقطة ما , كانت هناك سيارة تنتظرني , و في الحال عبرنا سهول فليميش المنبسطة , و نمت في تلك الليلة في فندق صغير في