ترب

و مع هذا العزاء البارد حملت على الاقتناع , أنهى السيد كراوثر اللقاء بأن ألح علي أن أعود إلى أمريكا . . لقد رأيت كل المسألة لا ترضيني . . و الآن يجب أن أصف جنازة بوارو

كان احتفالا وقورا مهيبا و كلمات الإجلال التي قيلت كانت فخمة جزيلة , لقد جاء المعزون من أماكن شتى و توافدوا إلى المكان الذي اختاره صديقي لنفسه . . بلد إقامته ! لقد غلبني الحزن و أنا أقف عند جانب المقبرة و ذكرت جميع تجاربنا المختلفة و الأيام السعيدة التي عشناها معا

في بداية شهر أيار رسمت خطة الحملة : لن أفعل خيرا من اتباع خطة بوارو في الإعلان من أجل جذب كلود داريل , و نشرت إعلانا في عدد من الصحف الصباحية , و كنت أجلس في مطعم صغير في سوهو و أرى تأثير الإعلان من خلال قراءتي للصحف

فجأة صدمتني فقرة صغير صدمة عنيفة . . (( اختفى السيد جون إنغليز من السفينة (( شنغهاي )) بعد مغادرتها ميناء مرسيليا بقليل , و رغم أن الجو كان هادئا تماما لكن يخشى أن الرجل المسكين قد سقط من السفينة )) , و انتهت الفقرة بحديث مقتضب حول خدمة السيد إنغليز الطويلة و المميزة في الصين

كان الخبر غير سار , أدركت أن وراء مقتل إنغليز دافعا شريرا , لم أصدق أبدا النظرية القائلة بأنه مات بحادث , قطعا كان موته من فعل الأربعة الكبار الملعونين !

و بينما كنت مذهولا من المصيبة أقلب المسألة كلها في دماغي داخلني خوف من سلوك الرجل الجالس مقابلتي و لم أكن قد أعرته كبير اهتمام . كان نحيفا أسمر متوسط العمر شاحب البشرة ذا لحية خفيفة , جلس مقابلي بهدوء تام حتى أنني لم أحس بقعوده , لكنه الآن صار يفعل فعلا غريبا قطعا : مال إلى الأمام و نثر عمدا أربع كومات من الملح حول حافة صحني , قال بصوت كثيب :

- اسمح لي : إنهم يقولون أن تقديم الملح هو نوع من المواساة للغريب , أرجو أن تكون فهمت . .

صنع – في دلالة مؤكدة – عند صحنه ما فعله لي , إن الرمز ((4)) كان واضحا !

نظرت إليه بإمعان , لم أستطع أن أرى أنه يشبه تيمبلتون الصغير و لا جيمس الخادم أو أيا كان من الشخصيات الأخرى المختلفة التي صادفتنا , لكنني كنت جازما بأنني أواجه رقم (( 4)) المروع نفسه , الصوت كان فيه شبه ضعيف من صوت الرجل الغريب ذي المعطف المزرر الذي زارنا في باريس

نظرت حولي مترددا حول رد فعلي المناسب , و بدا أنه يقرأ أفكاري , تبسم وهز رأسه بلطف و قال :

- لا أنصحك بهذا , تذكر ما حدث من العجلة في باريس , طريق هروبي مفتوحة تماما , أنت تضمر الشر قليلا يا كابتن هيستنغز . .

قلت و أنا أختنق من الغضب :

- تبا أيها الشيطان !
- غضبان . . أنت تافه غضبان , لا بد أن صاحبك الراحل أخبرك بأن الرجل الذي يظل هادئا يجني دائما منفعة عظيمة . .

صحت فيه :

- تجرؤ أن تتكلم عن الرجل الذي قتلته بتلك الطريقة القذرة . . .

قاطعني قائلا :

- جئت هنا من أجل هدف سلمي , لكي أنصحك أن تعود إلى أمريكا الجنوبية فورا , إن فعلت ذلك فستنتهي المسألة بقد ما يعني ذلك للأربعة الكبار و لن نؤذيك أنت و لا زوجتك , أعدك بذلك

ضحكت بازدراء :

- و إذا رفضت ؟
- هذا ليس أمرا , دعنا نقل بأنه . . تحذير , التحذير الأول , أنصحك أن لا تضيعه . .

ثم نهض و انسل خارجا بسرعة نحو الباب قبل أن أقدر نيته , لحقته لكن حظي كان تعيسا , فقد اصطدمت برجل بدين سد الطريق , و لما فككت نفسي منه كان طريدي يجتاز مدخل الباب , و قابلني نادل يحمل كومة كبيرة من الصحون صدمني أيضا دون إشعار , و ما إن وصلت الباب حتى كان الرجل قد اختفى !

كان اعتذار النادل سمجا , و الرجل البدين جلس بهدوء على طاولة و طلب غذاء , ربما كان كلا الحادثين مصادفة , لكنني كنت أعرف جيدا أن عيون الأربعة الكبار في كل مكان !

لقد شدني تحذير الرجل , لكنني سأعمل أو أموت من أجل قضية صالحة

و لم إجابات مفيدة عن الإعلانات , إنما وردتني إجابتان من ممثلين عملا مع داريل قليلا و لم يكونا يعرفانه عن قرب و لم يذكرا هويته أو مكانه !

مرت عشرة أيام و لم تظهر علامة أخرى من الأربعة الكبار , و كنت أقطع هايد بارك و أنا حيران أفكر , ناداني صوت امرأة جاهر , يبدو أنها أجنبية . .

- أنت كابتن هيستنغز , أليس كذلك ؟

توقفت سيارة أجرة فاخرة جنب الرصيف , و أطلت منها امرأة تلبس ثوبا أسود و عقدا من اللؤلؤ رائعا . . عرفتها : الكونتيسة فيرا روساكوف . . جندية الأربعة الكبار !

كان لبوارو ولع خفي بالكونتيسة , شيء ما فيها جذب الصغير , كان في لحظات الحماس يقول بأنها امرأة تساوي ألفا من النساء ولو كانت تعمل ضدنا . .

روساكوف : آه , لا تعبر الشارع , عندي شيء هام جدا و أريد أن تسمعه , و إياك أن تسعى إلى اعتقالي لأن ذلك سيكون غباء منك , أنت غبي لأنك عازم ألا تطيع تحذيرنا , و هذا هو تحذيرنا الثاني جاءك معي : (( غادر إنكلترا في الحال , قعودك لا يفيد , لن تجني شيئا هنا أبدا ))

- كلكم مهتمون بإخراجي من البلد , عجبا !

هزت روساكوف رأسها استهجانا . .

- أنا أظن أنك أحمق , كنت سأتركك هنا تعمل بسعادة , لكن الرؤساء يخافون كلمة منك ربما تساعد أولئك الذين هم أكثر ذكاء منك . .

كظمت غيظي , كلمتها هذه أزعجتني لأن فيها إشارة استخفاف بي . قالت :

- هذا ما سوف يكون , من السهل أن ينفوك , لكنني أشفق على الناس أحيانا , إنني أناشدك , إن لك زوجة صغيرة حسناء في مكان ما , أليس كذلك ؟ و لسوف يسعد الرجل الصغير في قبره أنك لم تمت , لقد كان يعجبني , كان ذكيا ! لو لم تكن قضية أربعة مقابل واحد لعظمناه كثيرا . . لقد كان بوارو أستاذي , لقد أرسلت إكليلا إلى الجنازة إعلانا بإعجابي , إكليلا كبيرا من الورود القرمزية التي أحبها

استمعت إليها في صمت و حقد و ما زالت تتكلم :

- أنت كالبغل , حين يحرك أذنيه و يرفس , حسنا , فقد أبلغتك تحذيري فتذكر , الإنذار الثالث سيأتي من يد المدمر . .

و أشارت إلى السائق فانطلقت السيارة , لاحظت رقمها لكن لا أرجو أملا من هذا ؛ الأربعة الكبار لا يتركون هذه التفصيلات

ذهبت إلى البيت هادئا قليلا , لقد عرفت من السيل الجارف نم كلماتها حقيقة واحدة : حياتي في خطر ! لا , لن أتخلى , بل أمضي بحذر شديد 