جانها الدي كان يزيد , ثم فجأة , أسرعت من الغرفة بعذر ضعيف . .

لم نترك وحدنا طويلا , فقد دخل علينا رجل قوي الجسم شاربه أحمر خفيف و على أنفه نظارة , قدم نفسه قائلا :

- دكتور تريفيز . طلبت مني مدام تيمبلتون أن أعتذر لكما فهي في حالة سيئة , إنها متوترة بسبب قلقها على زوجها و قد نصحت لها أن تذهب للنوم حالا , لكنها ترجوكما أن تبقيا ! لقد سمعت بك يا سيد بوارو و نريد أن ننتفع بحضورك . . ها هو ميكي . .

و دخل علينا فتى بطيئ الحركة , يدل وجهه المدور و حاجباه المرتفعان على حماقة و دهشة دائمة , ابتسم بصورة عجيبة وهو يصافحنا . يبدو أنه كان ذلك الابن (( بطيء التفكير )) !

و قمنا جميعا لوجبة العشاء , و عندما انصرف الدكتور ليأتي ببعض الطعام , صارت ملامح وجه الفتى متغيرة بصورة مخيفة : مال للأمام وهو يحدق ببوارو , و قال وهو يهز رأسه :

- أنت جئت من أجل أبي , أعرف . . أعرف أشياء كثيرة , لكن لا أحد يظنني أعرف , أمي ستفرح حين يموت أبي , وتستطيع أن تتزوج الدكتور تريفيز , إنها ليست أمي . . إني لا أحبها

كان كل شيء مرعبا , و من حسن الحظ أن عاد الدكتور تريفيز قبل أن يلفظ بوارو كلمة معه , و كان علينا أن ننشغل بحديث آخر

و فجأة أسند بوارو ظهره إلى الكرسي و جعل يتأوه ووجهه يتلوى من الألم . . صرخ الدكتور :

- سيدي العزيز , ماذا أصابك ؟
- تشنج مفاجئ . . إنني معتاد عليه . لا , لا أحتاج إلى مساعدة منك يا دكتور , هل يمكن أن أستريح في الطابق الأعلى ؟

قبل طلبه فورا و صحبته إلى الأعلى حيث سقط على سريره و هو يئن بشدة , لقد ذهلت قليلا لكني فهمت بسرعة أن بوارو كان يمثل و أن غايته أن يترك وحده في الطابق الأعلى بجوار غرفة المريض , و لقد كنت مستعدا حين قفز واقفا في اللحظة التي كنا وحدنا :

- أسرع يا هيستنغز , الشباك . . . اللبلاب هناك في الخارج , نستطيع أن ننزلق عليه إلى الأسفل لنهرب قبل أن يشكوا في غيابنا !
- ننزل إلى أسفل ؟
- أجل , لا بد أن نخرج من هنا حالا , هل رأيته في العشاء ؟
- الطبيب ؟
- لا , تيمبلتون الفتى , عادته العجيبة في الخبز ! ألا تذكر ما قالته مونرو لنا ؟ قالت بأن كلود داريل كان فيه عادة تفتيت الخبز على الطاولة ليأكل لب الرغيف , إنها مؤامرة محكمة يا هيستنغز , و هذا الفتى المعتوه هو عدونا الخبيث . . رقم ((4)) . . . أسرع !

انزلقنا على نبات اللبلاب و نزلنا بسكون و بالكاد أدركنا قطار الساعة 8,34 الأخير الذي أوصلنا إلى البلدة في الساعة الحادية عشرة مساء

قال بوارو متأملا : مؤامرة ! ترى كم واحدا منهم شارك فيها ؟ أشك في أن أسرة تيمبلتون جميعا ليسوا سوا عملاء للأربعة الكبار , هل أرادوا هكذا بسهولة أن نقع في شركهم أم أنها كانت أكثر مكرا ؟ هل كانوا . . ماذا ؟ إنني أتساءل !

ظل يفكر كثيرا . .

و عندما وصلنا إلى مسكننا أبقاني عند باب غرفة الجلوس :

- تنبه يا هيستنغز , عندي شكوك , دعني أدخل أولا . .

دخل , ثم دهب حول الغرفة كأنه قطة غريبة بحذر و هدوء تام , و راقبته قليلا و أنا في مكاني جانب الحائط , قلت و قد نفذ صبري :

- كل شيء على ما يرام يا بوارو
- عسى أنه كذلك لكن دعنا نتأكد
- سأشعل نارا و أدخن بغليوني . . هاهي أعواد الثقاب قد تركتها أنت هذه المرة و لم تعدها إلى مكانها , و هو الأمر الذي كنت تعيبه علي

مددت يدي , فسمعت صرخة بوارو , قفز نحوي , لمست يدي علبة الكبريت . . ثم . . وميض من اللهب الأزرق . . ضربة على الأذن , و ظلام !

وعيت لأجد صديقنا الدكتور ريدغوي يجثو على ركبتيه فوقي تلمح في وجهه الطمأنينة , قال :

- كن هادئا , لقد وقع حادث , أنت بخير
- و بوارو ؟
- أنت في بيتي اطمئن

شعرت خيفة , هروبه من الجواب ألقى في نفسي خوفا رهيبا . .

- بوارو ؟ أين بوارو ؟

أدرك أن علي أن أسمع جوبا فقال :

- لقد نجوت بمعجزة , أما بوارو فلم ينج

انفجرت صرخة من بين شفتي :

- لم يمت ؟ لم يمت ؟

حنى ريدغوي رأسه . . و جلست أنا و قلت بضعف :

- ربما يكون بوارو قد مات . . لكن روحه . . ستعيش ! سأتابع عمله , الموت للأربعة الكبار ! ثم سقطت على ظهري فاقدا الوعي


الفصل السادس عشر


لا أحتمل الكتابة عن تلك الأيام التي حدثت من شهر آذار . . بوارو مات ! لقد كان في علبة الكبريت لمسة شيطانية , كان محتما أن تفلت أعوادها غير المرتبة اهتمامه فيسرع لكي ينسق أعوادها المبعثرة , و هكذا سببت اللمسة الانفجار !

الحق أنني أنا الذي عجلت في الكارثة , و هدا ملأني ندما لا ينفع و لا يدفع !

قال الدكتور ريدغوي بأن نجاتي كانت معجزة , لكن ارتجاجا طفيفا أصابني , و بعد أن استرجعت وعيي مشيت مترنحا إلى الغرفة المجاورة قبل حلول ظلام اليوم الذي تبع الحادث , و رأيت بحزن عميق تابوتا من خشب الدردار ترقد فيه بقايا واحد من أروع الرجال الذين عرفتهم !

و منذ أول لحظة عاد فيها وعيي كان عندي هدف واحد . .الانتقام لموت بوارو و أن أصيد الأربعة الكبار بلا رحمة . . و ظننت أن الدكتور ريدغوي يفكر مثلي , و لكن الطبيب الطيب بدا فاترا و لم أدر لماذا ؟ . . (( عد إلى أمريكا الجنوبية )) , هكذا ظل ينصحني . . لماذا ؟ لقد قال بأن بوارو الخارق قد فشل فهل أنجح أنا ؟

لكنني أصررت و تجاهلت كل تشكيك في قدراتي . . لقد عملت مع بوارو طويلا فعرفت منه أسلوبه , و شعرت بالقدرة التامة على متابعة العمل الذي رسمه . . لقد قتل صديقي قتلة قاسية , فهل علي أن أؤوب إلى أمريكا دون جهد لإحضار قتلته أمام العدالة ؟

قلت هذا كله و أكثر منه لريدغوي الذي كان ينصت لي قبل أن يعلق قائلا :

- مهما يكن فإني أنصحك , و لو كان بوارو نفسه بيننا لكان ألح عليك بالعودة , أتوسل إليك باسمه يا هيستنغز أن تترك هذه الفكرة المتهور و ترجع إلى مزرعتك !

و ما زلت على جوابي فلم يقل شيئا و هز رأسه بأسف !

و مضى شهر استعدت فيه عافيتي و عند نهاية شهر نيسان سعيت و عقدت لقاء مع وزير الداخلية فكان رأي السيد كراوثر يذكرني بكلام الدكتور ريدغوي , ففي حين كان يشكر لي كان يرفض عرضي بلطف و حذر , أوراق بوارو صارت في حوزته و قد أكد لي بأنه سيتخذ كل عمل جائز لمواجهة الخطر الذي يدنو و يق