ر مثله في الناس , و لو لا الغيرة لأصبح رجلا مشهورا , آه يا سيد بوارو , كم نعاني نحن الفنانين من الغيرة و الحسد , أذكر مرة في مانشستر . .
- هذا كلام جميل يا آنسة في أمر السيد داريل , النساء لا ينسين شيئا و يلاحظن ما يفوت الرجال , لقد عرفت امرأة عرفت رجلا من بين اثني عشر رجلا , هل تدرين كيف ؟ لقد لاحظت سمة مميزة تظهر على أنفه إذا غضب ! هل في الرجال من يلاحظ شيئا كهذا ؟

صرخت مونرو :
- ألا نستيطع ذلك ؟ نعم , نحن نلاحظه . . أتذكر كلودي , الآن بدأت أفكر بذلك : كان كثير العبث بالخبز الذي على الطاولة , كان يضع قطعة صغيرة بين أصابعه و يفركها ليأكل لب الرغيف , قلد رأيته يفعل ذلك مئة مرة , و أستطيع أن أعرفه من هذه العادة التي فيه
- و هل تحدثت معه عن عادته هذه يا آنسة ؟
- لا؛ فأنت تعرف طبع الرجال : لا يحبون أن تنتقدهم لا سيما ان بدا لهم أنك تنهاهم عن فعلها , لم أقل كلمة واحدة البتة , لكني كنت أضحك في سري كثيرا , انه لم يكن يشعر بفعله

هز بوارو رأسه موافقا , و رأيت يده ترتعش قليلا حين مدها إلى صحنه , قال :

- و خط اليد وسيلة لتحديد الهوية , لا شك أن عندك رسالة كتبها السيد داريل . .

هزت رأسها أسفا :
- لم يكتب لي سطرا في حياته أبدا
- هذا مؤسف

قالت مونرو فجأة :
- لكن عندي صورة . .
- عندك صورة ؟

قفز بوارو من كرسيه مذهولا :

- صورة قديمة , حين كان عمره ثمانية أعوام . .
- لا ضير ان كانت عتيقة أو باهتة , هلا أعطيتني إياها يا آنسة ؟
- أجل
- ربما تأذنين أن أستنسخ منها , إن ذلك لا يأخذ وقتا
- أجل إذا كنت تحب ذلك

نهضت مونرو , قالت بمكر :

- يجب أن أنصرف , أسعدني لقاؤك أنت و صاحبك يا سيد بوارو . .
- و الصورة ؟
- سأبحث عنها هذه الليلة , أظن أنني أعلم مكانها , سوف أرسلها لك فورا
- ألف شكر يا آنسة , أنت لطيفة جدا , أرجو أن نأكل الغذاء معا في وقت قريب !
- أنا على استعداد متى شئت . .
- لكني أجهل عنوانك

و بكبرياء شامخة سحبت مونرو بطاقة من حقيبتها و أعطتها له , كانت بطاقة وسخة بعض الشيء , و كان العنوان المطبوع مشطوبا كتب فوقه عنوان آخر بقلم رصاص . ثم مع انحناء ودعنا المرأة و ذهبنا , و سألت أنا بوارو :

- هل تظن حقا أن هذه الصورة خطيرة ؟
- نعم يا صديقي . . (( الكاميرا لا تكذب )) , نستطيع أن نكبر الصورة و نضبط النقاط البارزة , و نعلم كثيرا من التفاصيل : الأذن التي لا يستطيع أن يصفها لك أحد , حقا , ماأعظم هذه الفرصة التي جاءت لنا , من أجل هذا اتخذت احتياطاتي

عبر نحو الهاتف و طلب رقم وكالة التحري الخاصة , أوامره كانت واضحة و حاسمة : اثنان من الرجال يذهبان الى عنوان ذكره و يراقبان مونرو , يتابعانها حيث تروح و تجيء , و يؤمنان لها الحماية اللازمة

رد بوارو السماعة و عاد إلي

- و هل هذا لازم يا بوارو ؟
- ربما , لا ريب أنني أنا و أنت مراقبان , و سوف يعرفون من كان يأكل معنا غذاء اليوم , ربما أحس رقم ((4)) بالخطر

مضت عشرون دقيقة , رن الهاتف , و عندما أجبت عليه سمعت على الطرف الآخر صوتا جافا :

- أهذا هو السيد بوارو ؟ هنا مستشفى سانت جيمس , قبل عشر دقائق أحضرت لنا امرأة شابة , الآنسة فلوسي مونرو . . حادث سيارة . . إنها تسأل عن السيد بوارو بإلحاح , يجب أن يأتي حالا , فربما لا تعيش طويلا

أخبرت بوارو , أصبح وجهه شاحبا :

- هيا يا هيستنغز , هيا ننطلق كالبرق

و في غضون عشر دقائق وصلنا إلى المستشفى , سألنا عن مونرو , صعدنا إلى جناح الحوادث لكن الممرضة قابلتنا عند الباب . . قرأ بوارو الخبر في وجهها !

- ماتت ؟
- قبل ست دقائق

وقف بوارو مصعوقا و بدأت الممرضة تكلمه بلطف و هي لا تدري حقيقة حزنه :

- إنها لم تعان ألما , ظلت فاقدة للوعي , دهمتها سيارة , و لم يتوقف السائق . . آمل أن أحدا سجل رقم سيارته

قال بوارو همسا : الأحداث تتسارع ضدنا !
- تود أن تراها ؟

تقدمتنا الممرضة و تبعناها . . المسكينة فلوسي مونرو : ممددة و الحمرة على شفتيها و شعرها المصبوغ ! إنها ترقد بسلام و على وجهها بسمة ! . . همس بوارو :
- أجل . . الأحداث تجري ضدنا

و فجأة رفع رأسه كأن فكرة ما خطرت له و قال : لقد اقتربت نهاية هؤلاء الأشرار ! أقسم لك و أنا أقف هنا جنب جثة هذه المسكينة أني لن أرحمهم عندما يحين الوقت !

- ماذا تقصد ؟

لم يجب بوارو بشيء , بل التفت إلى الممرضة و هو يطلب بلهفة بعض المعلومات , و أخذ أخيرا أخيرا قائمة بالأغراض التي وجدت في حقيبتها . صاح بوارو صيحة مكبوتة و هو يقرأها . .

- هل ترى يا هيستنغز ؟ هل ترى ؟ لا ذكر لمفتاح المزلاج , و لا شك أن معها مفتاحا
لا , لقد صرعت بدم بارد و أول رجل انحنى فوقها أخذ المفتاح من حقيبتها , لكن الوقت ما زال معنا , فقد لا يجد ما يريده في الحال

و حملتنا سيارة أخرى إلى عنوانها : بيوت قذرة متجاورة في حي قديم !

مضى وقت طويل حتى أذن لنا أن ندخل بيتها , لكننا كنا قانعين أن أحدا لا يستطيع أن يغادر و نحن نرقب البيت من الخارج

أخيرا دخلنا , و كان واضحا أن شخصا قد دخل قبلنا هنا ؛ لأن محتوى الأدراج و الخزائن كله مبعثر منثور , و الأقفال مكسورة و الطاولات مقلوبة , كانت عجلة الباحث قبلنا عنيفة جدا

بدأ بوارو البحث في الحطام . . فجأة , وقف منتصبا يصرخ و يمسك إطارا عتيقا لصورة فوتوغرافية . . أما الصورة نفسها فقد اختفت ! قلبه ببطء . . كان على ظهر الإطار لاصق مدور صغير , ملصق يبين السعر , قلت له :

- ثمنه أربع شلنات
- أبصر جيدا يا عزيزي هيستنغز , انه لاصق جديد , ألصقه الرجل الذي نزع الصورة و الذي سبقنا هنا , كان يعلم أننا سنحضر , لذلك ترك هذه لنا . . انه رقم ((4)) . . كلود داريل بالتأكيد !


الفصل الخامس عشر


بدأت أدرك أن بوارو قد تغير بعد الوفاة المأساوية لمونرو . حتى ذلك الحين كانت ثقته بنفسه التي لا تهتز قد قاومت التجربة , لكن الإجهاد الطويل أخذ منه مأخذا فكان يبدو مهموما كئيبا كأنما أعصابه توشك أن تنهار

في هذه الأيام كان هائجا كأنه قط يتجنب كل نقاش في الأربعة الكبار , لكني كنت أعلم أنه كان نشيطا في المسألة سرا

كان يزوره كثيرا رجال غرباء , لكنه لم