...
الفصل الرابع عشر

خاب ظني كثيرا من نتيجة هجوم بوارو بالقنبلة على البيت في الحي الصيني , فقد هرب رأس العصابة !

عندما هرع رجال جاب لما صفر بوارو وجدوا أربعة رجال صينيين في القاعة فقدوا وعيهم , لكن الذي هددني بالموت لم يكن فيهم , فتذكرت حينئذ أنني حين أجبرت على الخروج إلى عتبة البيت بقي هذا الرجل في المؤخرة , و بذلك ظل خارج منطقة الخطر الذي أحدثته القنبلة ففر من مخرج من المخارج الكثيرة التي عرفناها فيما بعد

لم نعلم من الأربعة الذين وقعوا في قبضتنا شيئا , و التحقيق الواسع الذي أجرته الشرطة لم يكشف صلة لأحدهم بالأربعة الكبار

لقد كانوا فقراء من الحي , و قد ادعوا جهلا تاما باسم لي شانغ ين , إنما استأجرهم رجل صيني للخدمة في البيت , و لم يكونوا يعلمون شيئا من شؤونه الخاصة !

في اليوم التالي تعافيت تماما من أثر القنبلة إلا من صداع خفيف , فنزلنا إلى الحي الصيني و تفحصنا البيت الذي استُنقذت ُ منه . .

كان المبنى يتألف من بيتين مصعدين متصلين معا بممر من تحت الأرض , كانا مهجورين لا فرش فيهما , و قد غطيت الشبابيك المكسورة فيهما بستائر بالية . .

اطلع جاب على الأقبية و كشف المدخل المؤدي إلى القبو الذي لبثت فيه نصف ساعة عسيرة , و أكد التحقيق أنها غرفة جهزت خصيصا من أجلي في الليلة السابقة

الحرير الذي كسا الحيطان و الأريكة و السجاد الممدود على الأرض كان متقنا . قد لا أكون من الخبراء العارفين في الفن الصيني إلا قليلا , و لكني أملك أن أجزم أن كل قطعة في تلك الغرفة كانت بالغة القيمة عظيمة الشأن !

أجرينا تفتيشا دقيقا للبيت , و كنت أرجو أن نجد وثائق هامة , ربما قائمة بأسماء عملاء الأربعة الكبار , أو رسائل في خططهم , لكننا لم نجد شيئا إلا رسائل كان الرجل الصيني يرجع إليها عندما كان يملي علي رسالتي إلى بوارو , كانت تتألف من سجل كبير عن كل عمل عملناه و عن شخصيتنا و مكامن ضعفنا !

كان بوارو مبتهجا من هذا جدا , كأنه طفل , أما أنا فلم أحسب أنها ذات لا سيما أن الرجل الذي جمعها – كائنا من كان – قد أخطأ في بعض آرائه بصورة مضحكة , و قد أوضحت ذلك لصديقي و نحن راجعان إلى بيتنا , قلت :

- بوارو , أنت تعرف الآن ماذا يظننا خصمنا ؟ يبدو أنه بالغ كثيرا في تقدير قوتك العقلية و استخف بي ! لا أدري كيف يمكن أن تنفعنا هذه المعرفة ؟

ضحك بوارو بطريقة مزعجة :

- أنت لم تفهم يا هيستنغز , إننا نستطيع الآن أن نعد أنفسنا لمواجهة أساليبهم في الهجوم حيث أدركنا بعض أخطائنا , مثلا يا صديقي : نعلم أنك يجب أن تفكر قبل أن تعمل , فإذا رأيت مرة أخرى فتاة ذات شعر أحمر في مشكلة فيجب أن تنظر إليها بارتياب , أليس كذلك ؟

كان في رسائلهم إشارات سخيفة عن تهوري المحتمل , و أشاروا أنني كنت سريع التأثر بالفتيات ذوات الشعر الأحمر , و كان فيها إشارة تعني بوارو فقدرت على الرد عليه :

- و ماذا عنك ؟ هل ستعالج (( غرورك المفرط )) و (( أناقتك الشديدة )) ؟

لم يكن بوارو مسرورا من ردي السريع

- بلا ريب يا هيستنغز انهم يخدعون أنفسهم في بعض الأمور , و سيعلمون ذلك في الوقت المناسب , و في غضون ذلك علمنا بعض الأشياء و عرفنا أنه يلزمنا الاستعداد

كانت الكلمة الأخيرة هذه البديهية المفضلة لديه منذ عهد قريب , و قد بدأت أكره معناها , و ما زال قائلا :

- هيستنغز , إننا نعرف شيئا ما و هذا فيه خير , لكن ينبغي أن نعرف أكثر
- في أي اتجاه ؟

استرخى بوارو في كرسيه و عدل علبة الكبريت التي ألقيتها على الطاولة بإهمال , و أحسست أنه يستعد لإلقاء خطبة طويلة :

- يجب يا هيستنغز أن نواجه أربعة أعداء , أربعة أشخاص مختلفين , رقم ((1)) عرفناه و لم نعامله , بالمناسبة , لقد بدأت يا هيستنغز أفهمه فهما حسنا : عقل شرقي حاذق , إن كل ما لقيناه كان من تدبير عقل لي شانغ ين

رقم ((2)) و رقم ((3)) لهما نفوذ و مرتبة عليا , و هما لذلك في حصانة من هجومنا , غير أن هذا سلاح ذو حدين: انهما مكشوفان فينبغي أن يقدرا حركاتهما بعناية , و هما – مع ذلك – قادران على النجاح لما لهما من شهرة و منصب . أما رقم ((4)) . . .

تغير صوت بوارو قليلا و تابع :

- أما رقم ((4)) فان نجاحه في تخفيه . . من هو ؟ لا أحد يعرف ! ما هو شكله ؟ لا أحد يعرف ! كم مرة رأيناه ؟ خمسا , أليس كذلك ؟ فهل يستطيع أحدنا أن يجزم بأنه سيعرفه إذا رآه ؟

تذكرت الرجال الخمسة المختلفين : حارس المصحة القوي الجسم , جيمس الرجل الذي كان يلبس المعطف المزرر في باريس , الخادم , الطبيب الشاب الباسم في قضية الياسمين الأصفر , و البروفيسور الروسي . . لم يشبه أي واحد من هؤلاء الخمسة الآخر , فقلت :

- لا , لا دليل عندنا بتاتا !

ابتسم بوارو :

- أرجوك لا تدع لهذا اليأس الشديد سبيلا إليك , إننا علمنا شيئا أو شيئين . . علمنا أنه رجل متوسط الطول أشقر الشعر قليلا , لو كان رجلا طويلا أسمر ما استطاع أن يخدعنا في هيئة الطبيب الأشقر القصير , و لابد أن يكون أنفه صغيرا مستقيما , لأن الأنف الكبير لا يصير صغيرا , ثم لا بد أن يكون رجلا شابا ليس أكبر من الخامسة و الثلاثين , إذن فقد وصلنا إلى شيئا ما : رجل بين الثلاثين و الخامسة و الثلاثين , متوسط الطول , لونه طبيعي , خبير في ( الماكياج ) , ليس لديه أسنان طبيعية
- ماذا ؟
- أجل يا هيستنغز , الحارس كانت أسنانه مكسورة صفراء , و في باريس كانت أسنانه بيضاء مستوية , و حين كان طبيبا كانت أسنانه بارزة قليلا , و لما كان سافرونوف كانت أنيابه طويلة , لا شيء يغير الوجه مثل طقم مختلف من الأسنان , هل ترى أين يقودنا كل هذا ؟
- لا أدري
- يقولون : (( حرفة الرجل مكتوبة في وجهه )) . .
- مجرم ؟
- خبير في فن الماكياج أو أنه كان ممثلا في يوم ما
- ممثل ؟
- أجل , فنان بارع , الممثلون صنفان : صنف يطيعه دوره و صنف يطيع دوره , صنف يؤثر في الدور و صنف يتأثر به و يقلب شخصيته حسب دوره . يجب أن نبحث عن رقم ((4)) بين ذلك الصنف السابق , انه فنان بارع يلبس الدور الذي يمثله بإتقان
- إذن أنت تظن أنك تقدر أن تتبعه في المسرح ؟ وددت لو أن هذه الفكرة جاءتك من قبل , لقد ضيعنا الكثير من