بسرعة إلى الخلف في وقت مناسب تماما فقد انهالت شجرة سرو ضخمة كانت تنتصب في صف الأشجار الذي يحادي الممر الذي كنا نسير فيه و كادت تهوي على رأسينا , جمدنا في المكان و كلنا رعب و دهشة , كان وجه بوارو شاحبا ثم قال بانزعاج :
- كانت قريبة منا جدا ذلك عمل أحمق طائش , لم أكن أتوقعه يوما لكن عيني كانت بالمرصاد , كاد بوارو أن يختفي من الوجود فتحل عندئذ في العالم كارثة مفجعه ! و أنت أيضا يا صديقي , لكن موتك لن يكون مصابا وطنيا على كل حال

فقلت ببرود :
- شكرا على هذا التقدير , دعنا من هذه الثرثة الجوفاء , ماذا تريد أن تفعل الآن ؟
- الآن , نعم نعم , يجب أن نفكر لندرب خلايانا الرمادية , هل كان السيد هاليدي في باريس حقا ؟ نعم ؛ لأن الخبير بورجونوا الذي يعرفه رآه و كلمه صباح الجمعة , و كانت آخر مرة شوهد فيها الساعة الحادية عشر من مساء الجمعة , لكن هل شوهد وقتئذ حقا ؟ و من ذا رآه ؟
- حمال الفندق ..
- حمال المناوبة الليلية الذي لم ير هاليدي من قبل ؟ انه رأى رجلا يشبه هاليدي تماما , إنني أثق بقدرة رقم ((4)) على تقمص هذا الدور .. يسأل عن الرسائل , يصعد إلى أعلى يحمل حقيبة أوراق صغيرة , ثم ينسل في صباح اليوم التالي باكرا , لم يشاهد أحد السيد هاليدي مساء يوم الجمعة ؛ لأنه كان قد وقع في أيدي أعدائه !

هل كان الرجل الذي التقته مدام أوليفير هو هاليدي ؟ نعم رغم أنها لم تكن تعرفه من قبل , لأنه من الصعب على الذي ينتحل شخصيته أن يخدعها في شأنها العلمي المتخصص , جاء هنا و قابلها ثم غادر , فماذا بعد ذلك ؟

أمسك بوارو بذراعي و عاد أدراجه إلى الخلف ..
- الآن تخيل أن هذا اليوم هو الذي أعقب يوم اختفائه , دعنا نتتبع أثر الأقدام , أنت تحب آثار الأقدام , أليس كذلك ؟ انظر هنا , هذه قدم رجل تتجه نحو اليمين تتبعه قدم صغيرة مسرعة , قدم امرأة شابة تلبس حجاب الأرملة تلحقه و تناديه : (( سيدي , مدام أوليفير تريد أن تتحدث معك )) , يتوقف فيدور , تقوده المرأة الشابة , لكن , إلى أين ؟

لم يكن مصادفة أن المكان الذي لحقت به فيه هو الذي يتفرع منه ممر آخر , قالت له : (( هذه الطريق أقصر يا سيدي ))

عن اليمين حديقة بيت مدام أوليفير , و عن اليسار حديقة منزل الجيران , و من تلك الحديقة سقطت شجرة .. بابا الحديقتين يفتحان على الممر .. الكمين هناك : رجال يخرجون و يغلبونه و يحملونه إلى الفيلا الغريبة !

صرخت مذهولا :
- تريد مقابلة مدام أوليفير مرة أخرى ؟

تبسم بوارو باستخفاف :
- كلا يا هيستنغز , بل مقابلة المرأة التي رأيناها على الدرج
- من تراها تكون قريبة مدام أوليفير ؟
- الغالب أنها سكرتيرتها , وربما وظفت من زمن قريب
- هلا أخبرتني باسم الأرملة التي دخلت قبل قليل ؟
- مدام فيرونوا سكرتيرة المدام ؟
- نعم هي , هلا طلبت منها أن تظهر قليلا لنحدثها ؟

توارى الفتى قليلا ثم أتى مرة أخرى

- عذرا , مدام فيرونوا ليست هنا !
- بل هنا , لكن أخبرها اسمي هيركيول بوارو و قل لها : من الضروري أن أراها الآن ؛ إني ذاهب إلى مدير الشرطة حالا ..

دخل الرسول مرة أخرى , و بعد برهة جاءت المرأة و دخلت المجلس فتبعناها , أماطت حجابها فكشف وجها نعرفه : إنها الخصم القديم – الكونتيسة الروسية – العقل المدبر لعملية سرقة المجوهرات الكبيرة في لندن , قالت :
- أصارحكما , عندما نظرت إليكما في الصالة توقعت العاقبة الأسوأ !
- عزيزتي الكونتيسة روساكوف ...

هزت رأسها معترضة :
- الآن أنا إنز فيرونوا , إسبانية متزوجة من فرنسي .. ماذا تريد مني يا سيد بوارو؟ قد سبق أن اصطدتني في لندن و الآن تلاحقني في باريس ؟ هل ستخبر مدام أوليفير ؟ نحن الروس مساكين لنا حق العيش أيضا !
- الأمر شديد الخطورة , أعتزم أن أدخل بيت الجيران و أحرر السيد هاليدي إن كان حيا , أنا عرفت كل شيء ..

لاحظت شحوبا قاتلا على وجهها , عصف بها ذهول قوي لكنها ملكت نفسها بعزم :
- انه ما زال حيا لكنه ليس هنا , ما قولك أن نبرم بيننا عهدا : لي الحرية و لك السيد هاليدي حيا في صحة جيدة ؟
- موافق , كنت أوشك أن أقول هذا لكن لدي سؤالا : هل تشتغلين للأربعة الكبار يا مدام ؟

رأيت الشحوب على وجهها مرة أخرى , لكنها تجاهلت سؤاله و قالت :
- هل تأذن لي بالاتصال بالهاتف ؟

أجرت مكالمة هاتفية حيث السيد هاليدي محبوس , قالت :
- هل أنت أندريه ؟ أنا إنز .. إن البلجيكي ذا القامة القصيرة قد عرف كل شيء , أرسل هاليدي إلى الفندق ثم غادر المكان

ردت السماعة و جاءت إلينا تبتسم فقال لها بوارو :
- سترافقيننا إلى الفندق يا مدام
- توقعت طلبك , أنا جاهزة

أحضرت سيارة أجرة و انطلقنا معا إلى الفندق , كنت أرى القلق على وجه بوارو , و كان الاضطراب و التوتر يسيطران على الجو و الحذر يشمل الجميع , لكن الأمر تم سهلا , فحين وصلنا إلى ساحة الفندق جاء حمال – و قد عرف بوارو – فقال مستعجلا :
- الآن وصل رجل مريض و سأل عنك , انه في غرفتك , أما ممرضته فقد خرجت سريعا من دون انتظار ..
- لا عليك , انه صديقي

و صعدنا مسرعين إلى الغرفة فوجدنا شابا هزيلا منهكا تظهر عليه علامات الإعياء و الإرهاق يجلس عند الشباك خائر القوى مبدد الحول لا يستطيع كلاما و لا حركة !

سأله بوارو :
- أنت السيد جن هاليدي ؟

هز رأسه ..
- أرني ذراعك اليسرى ..

كان تحت كوعه الأيسر شامة ..
كأس من الليمون المثلج أنعش هاليدي قليلا .. همس :
- يا إلهي .. كنت في جحيم ! .. هؤلاء زمرة من الشياطين ! .. أين زوجتي ؟ لقد أخبروني أنها تظن .. ؟
- كلا , هي لا تظن ذلك البتة , إنها تثق بك كثيرا , ما زالت تنتظرك
- أشكر الله , لا أصدق أني حر طليق !
- الآن أنت معافى يا سيدي , هلا قصصت القصة من أولها ؟

أصابت الرجل حالة ذعر و ارتباك و تغير وجهه ثم قال :
- إنني لا أذكر شيئا
- ماذا ؟
- هل سمعت بالأربعة الكبار ؟
- قليلا عنهم ..
- أنت لا تعرف ما أعرفه , إن لديهم قوة غير محدودة , و إذا بقيت صامتا فسوف أظأظل في أمان و إذا ما نطقت بكلمة فلن أشعر بالأمان لحظة واحدة , و لن يشعر بالأمن أقربائي و كل أعزائي , فلا تحاول الجدال معي ؛ أنا على يقين من أمر واحد : إنني لا أذكر ش