...
الفصل السادس

بدأنا صباح اليوم التالي رحلتنا باتجاه باريس , و قال لي بوارو بكآبة :
- الأربعة الكبار يدفعونني إلى العمل دفعا , أصعد و أنزل في كل مكان مثل صديقنا القديم صائد الثعالب

كان يقصد جيرود أكثر رجال الأمن شهرة في فرنسا و الذي قابله أكثر من مرة , فقلت :
- ربما تقابله في باريس !

تجهم وجه بوارو ثم قال :
- أرجو الله خالصا ألا أنعم برؤيته , فأنا لم أكن على وفاق مع ذلك الرجل و هو لا يحبني !
- و لكن مهمتك يا بوارو شاقة إذ تبحث عن رجل إنكليزي مجهول مضى على اختفائه نحو شهرين
- بالتأكيد يا صديقي , إنها مهمة صعبة جدا ! لكنك لا تعرف جيدا أن بوارو رجل يعشق المغامرة و يهوى الصعاب و يستمتع بحلها !
- هل تظن أن الأربعة الكبار هم الذين اختطفوه ؟
- نعم

كان ضروريا أن نزور الأماكن و نتأكد من المعلومات و التحقيقات القديمة , لكننا لم نستطع الزيادة على ما أخبرتنا به مدام هاليدي
بوارو التقى الخبير بورجونوا مطولا من أجل معرفة أي شيء عن برنامج هاليدي لقضاء ذاك المساء المشؤوم لكن دون جدوى

المحطة الثانية هي مدام أوليفير ..
كان المكان مثيرا , شعرت بإحساس غريب يسيطر علي و نحن نصعد عتبات قصرها الجميل في باسي , و قد أصابني ذهول أن امرأة تصل إلى هذا الحد البعيد من العلوم البحتة , كنت أحسب أن هذا الميدان حكر على الرجال , و أن هذا الإنجاز العلمي لا يتقنه إلا عقول الرجال

فتح الباب خادم فتى صغير لم يتجاوز السابعة عشر فذكرت صورة مساعد الكاهن من طريقته و حركاته التي تشبه الطقوس الدينية الكهنوتية

هذه المقابلة تمت بعد جهد كبير لتثبيت موعد مع مدام أوليفير ؛التي لا تكاد تستقبل أحدا , فهي في شغل دائم بحثا و تجارب طوال اليوم

دخلنا القصر و سرنا نحو صالة صغيرة , و في الحال جاءت سيدة القصر تستقبلنا .. طويلة , فارعة الطول , عليها رداء أبيض طويل أضفى عليها بهاء و مهابة , و كانت تعتمر بقلنسوة ممرضة

كان وجهها يميل إلى الطول و فيه شحوب مميز , عيناها سوداوان بنظرات ثاقبة تشتعل نزقا و حدة

بدت عندئذ كأنها قديسة أتت من التاريخ لا امرأة فرنسية عصرية , و كان أحد خديها ذا أثر من جرح أو حرق فذكرت ذاك الحادث الذي أدى إلى مقتل زوجها و اثنين من العاملين معه اثر انفجار في مختبره قبل ثلاثة أعوام و قد أصيبت هي بحروق بالغة , و منذ ذلك الحين اعتزلت الناس و انصرفت لأبحاثها العلمية بطاقة عجيبة و عزيمة ملتهبة

كان استقبالها مؤدبا و فاترا بعض الفتور , ثم قالت بوقار :
- قابلني رجال الشرطة عديدا أيها السيدان , و يبدو أنني لا أستطيع لكما عونا ؛لأن ليس عندي غير هذا
- مدام أوليفير , ربما أسألك أسئلة مختلفة تماما , و لكي لا نضيع الوقت دعيني أسأل هذا السؤال : فيم كنت تتحدثين أنت و السيد هاليدي ؟

تفاجأت من سؤاله :
- في عملي قطعا و في عمله كذلك
- هل خاض نظرياته التي كانت ضمن بحثه الذي قدمه أمام الجمعية البريطانية أخيرا ؟
- قطعا , هذا كان أساس حديثنا
- كانت أفكاره خيالا أليس كذلك ؟
- كثير من الناس يظنون ذلك لكني لا أوافقهم
- إذن أنت تعدينها قابلة للتطبيق ..
- حتما , حتما , و بصورة نموذجية و هذا هو محور أبحاثي التي أعكف عليها لأنجزها مع اختلاف في الطريقة , ذات مرة كنت أعالج أشعة جاما بمادة تدعى (راديوم سي ) و هي عنصر غازي ناتج عن الراديوم فرأيت نتيجة عجبا أثارت اهتمامي , و هي في حقيقتها تتعلق بالطبيعة الفعلية للقوة التي نسميها القوة المغناطيسية , لكن الوقت لم يحن لإعلان أبحاثي هذه على الملأ . و لقد أفدت من السيد هاليدي ووجهات نظره التي أثارت اهتمامي كثيرا

هز بوارو رأسه موافقا ثم سألها سؤالا أثار دهشتي :
- مدام أوليفير أين تباحثتما ؟ هنا في هذا المكان ؟
- كلا يا سيد بوارو بل في المختبر
- هلا نظرت إلى المكان ؟
- بالتأكيد , تفضل

و سارت أمامنا إلى الباب الذي دخلت منه , حيث عبرنا ممرا قصيرا يؤدي إلى المختبر الكبير الذي كان يمتلئ بالأدوات المخبرية و الأكواب الزجاجية و الأجهزة التي لا أستطيع حفظ أسمائها , و كان فيه شخصان منشغلان سمتهما مدام أوليفير لنا :
- الآنسة كلودي إحدى مساعداتي القديرات ..

انحنت لنا , كانت فتاة طويلة شابة ذات وجه حاد ..
- السيد هنري : صديق قديم ثقة

كان شابا قصيرا أسمرا , انحنى لنا باحترام كان بوارو يستطلع المكان بعينيه فرأى بابين آخرين للمختبر يوصل أحدهما إلى حديقة القصر الخلفية , و الآخر إلى غرفة أبحاث أخرى صغيرة

أعرب بوارو عن شكره لمدام أوليفير و تساءل و هو يعود إلى الصالون :
- مدام , هل كنتما وحدكما أثناء اللقاء ؟
- نعم , مساعداي كانا في غرفة الأبحاث الصغيرة
- و هل أمكنهما الاستماع إلى حديثكما هما أو غيرهما ؟
- لا أظن , ذلك حتما غير جائز , الأبواب كلها كانت مغلقة
- ربما يختبئ شخص ما في هذا المكان
- في الزاوية هناك خزانة كبيرة لكنها فكرة سخيفة
- حسنا , بقي لدي سؤال: هل ذكر السيد هاليدي أي ملاحظة عن برنامجه ذاك المساء ؟
- بتاتا , لم يذكر شيئا من هذا

قام بوارو شاكرا يودعها بلطف و احترام , و اعتذر إن كان قد أحدث إزعاجا مفاجئا بما يلي عليه واجبه نحو عمله الشاق المضني

كنا نهم بالخروج من الصالة عندما دخلت من باب القصر امرأة صعدت بسرعة نحو الدرج دون أن تبدي بنا اهتماما , و قد دل ثوبها الأسود على أنها أرملة فرنسية

أثارت طريقة دخول هذه المرأة إلى المنزل اهتمام بوارو فأبدى استغرابا:
- امرأة غير طبيعية , تثير التساؤل و العجب !
- مدام أوليفير ؟ نعم إنها ..
- كلا يا هيستنغز لا أعني مدام أوليفير , تلك المرأة نادرة ذات شخصية فذة ربما يفتقد العالم أمثالها , لكني أعني هذه المرأة التي رأيناها على الدرج

قلت بدهشة :
- لكنني لم أستطع رؤية وجهها و لا أظنك كنت قادرا أن تستبين ملامحها , إنها لم تلتفت إلينا ...

بوارو –بهدوء- : هذا هو السبب الذي جعلني أقول ذلك .. امرأة تدخل البيت كأنه بيتها , معها مفتاح الباب , و تركض بسرعة نحو أعلى الدرج دون أن تنتبه لزائرين غريبين في البيت . هذا أمر غير طبيعي يدعو إلى الإثارة و الدهشة ,أمر غريب حقا !

امتدت يد بوارو نحوي بقوة و جذبني 