ي جلسته ثم مال إلى بوارو و دنا منه و تكلم بصوت خافت كأنه يفشي سرا :
- أربعة رجال حاولوا معارضته في الأربع السنين الأخيرة , رجال أذكياء مفكرون و على خلق متين و أمانة و مسؤولية , لكنهم كلما عارضه واحد منهم سكت إلى الأبد !

سألته : ثم ماذا يكون ؟
- لا ترى منهم أحدا ! أنت لا تعي كتب أحدهم مقالا يذكر فيه اسم شانغ ين مقرونا بحوادث الشغب في بكين فوجد بعد يومين مطعونا في الشارع و لم يقبض على قاتله ! جريمة الثلاثة الآخرين كانت هي نفسها : مقالة أو خطبة أو حديث , و في غضون أسبوع ترى أحدهم فارق الحياة , أحدهم مات مسموما , و الثاني مات بوباء ما , و الثالث وجد مقتولا في سريره دون أي اثر لمقتله , لكن الطبيب الذي فحص الجثة حدثني انه رأى الجثة و قد احترقت بصورة عجيبة من الكهرباء سرت فيها !

بوارو : ربما ترى علامة على العلاقة بين مصرعه و لي شانغ ين لكن لا بد من إشارات ...

- ها , علامة! نعم , نعم بالتأكيد , لقد جاءني مرة شاب صيني مختص بالكيمياء متوقد الذكاء , كان يعمل لحساب شانغ ين , أراد أن يحدثني بالتلميح عن تجاربه التي كان يجربها في القصر على الحمالين , و قال و هو على حافة الانهيار العصبي بأنه عمل مقرف يزدري الحياة الإنسانية ! ثم أصابه رعب كاد يقتله , كانت حاله تثير الشفقة في الأكباد التي لا تعرف الرحمة .. حملته إلى السرير في الغرفة العلوية ليحدثني في الليلية التالية لكن فعلتي هذه كانت عملا أحمق غبيا !

بوارو : كيف وصلوا إليه ؟

- هذا ما لم اعرفه .. صحوت تلك الليلة و النار تأكل منزلي و كنت محظوظا بالفرار أنا و زوجتي , ثم تبين من التحقيق أن نارا عظيمة اندلعت في الطابق الأعلى جعلت عظام صديقي الشاب رمادا !

تخيلت انغليز و هو يتكلم بجد و حماس كأنه حصان من حجر و بيده سيف من خشب و قد غرق في لجة العاطفة , لكنه حين نظر إلى أدرك انه مجروف بحماسته , ضحك يعتذر :
- أجل ليس عندي دليل واحد , و احسب انك مثل غيرك تقول بان كلامي أوهام مجردة و أحلام
- كلا , بل إني أصدقك يا سيدي ؛ لأن لي شانغ رجل في غاية الأهمية في نظري
- ما كنت أتوقع أن أجد أحدا بين الأحياء في إنكلترا قد سمع به أبدا , واجد نفسي مدفوعا لأسألك:كيف عرفت عنه لو سمحت ؟
- لقد لجأ إلى منزلي رجل مصاب بصدمة عصبية حادة , وكانت حاله النفسية و البدنية سيئة , لكنه استطاع أن يخبرنا شيئا مثيرا حول منظمة غريبة تدعى ((الأربعة الكبار))يرأسهم لي شانغ ين و هو عقلها المدبر و الثاني رجل أمريكي و الثالث امرأة فرنسية , و الرابع لقبه ((المدمر)) , لكن من أعلمنا بهم قد مات , فهلا أخبرتني يا سيدي عن منظمة الأربعة الكبار ؟ هل سمعت بهذا الاسم من قبل ؟
- قد سمعت بها أخيرا , لكن ليس بصفة ارتباطها بلي شانغ ين , أكاد لا اعرفهم .. ها , تذكرت ...

نهض قائما و اتجه سريعا إلى خزانة عتيقة في زاوية الغرفة , و رجع و هو يحمل رسالة مفتوحة ..

- رسالة من ملاح عجوز قابلته مرة في شنغهاي , رجل قد اشتعل رأسه شيبا , يمضي معظم وقته ثملا , فحملت الرسالة على انه هذيان رجل سكران ليس غير !

قرأها بصوت عالي ..
(( سيدي ,

ربما لا تذكرني لكنك أسديت لي في شنغجهاي معروفا آخر , إنني في أشد الحاجة إلى قدر من المال حتى أستطيع الخروج من هنا , أنا مختبئ تماما لكنهم قد يصلون إلي في أي يوم , أقصد الأربعة الكبار

إنها مسألة هامة خطيرة , حياة أم ممات , عندي مال كثير لكن يصعب علي السعي إليه مخافة أن يعرفوا مخبئي !

أرسل لي ورقتين من فئة المائة جنيه و سوف أردها لك , أقسم يا سيدي!

جوناثان والي ))
- صادرة عن :غرانيت بنغالو , هوباتون , دارتمور . لقد خشيت أنها حيلة سخيفة لسلب مائتي جنيه مني صعب علي جمعها , فإذا كانت هذه الرسالة تنفعك شيئا فلترسل له مائتي جنيه .
- شكرا لك يا سيدي , سوف انطلق الآن إلى هوباتون !
- و هل تمنعني أن أرافقك ؟
- سأكون مسرورا بصحبتك , هيا , يجب أن نذهب من فورنا , لن نصل إلى دارتمور قبل ظلمة الليل

و في غضون دقيقتين كان جون انغليز مستعدا , و في الحال كنا في القطار الذي ينطلق من حدود بادنغتون نحو الريف الغربي

هوباتون قرية صغيرة تقع على ارض سبخة في غور منخفض, تبعد تسعة أميال عن موتورن هاستيد ركوبا في السيارة
كانت الساعة حين وصلنا الثامنة , لكن ضوء النهار ما زال مشهودا فوق المكان

اتجهت السيارة عبر الشارع الضيق في القرية , ثم توقفنا عند عجوز ينتظر في قارعة الطريق , سألناه عن القرية فقال الرجل العجوز متأملا :
- غرانيت بنغالو .. هل تريدون غرانيت بنغالو ؟

ثم هز رأسه كأنما ذكر شيئا , ثم أشار نحو كوخ رمادي ناء في آخر الطريق :
- هناك البنغالو , هل تريدون رؤية المفتش ؟


بوارو بدهشة : أي مفتش ؟ ماذا حدث؟
- إذن فلم تسمعوا بالجريمة ؟ لقد كانت مروعة ! حماما من الدم كما يقولون !

بوارو هامسا : يجب أن أقابل هذا المفتش

مضت خمس دقائق قبل أن نجد المفتش الذي لم يكن يرغب الحديث معنا و بدا مترددا و كتوما , حتى ذكرنا له اسم ((جاب)) مفتش سكوتلانديارد المشهور تغير أسلوبه و صار حسنا :
- نعم يا سيدي , لقد قتل الرجل صباح اليوم .. جريمة في منتهى البشاعة ,و الحادث غامض من أوله , فعندما قدمت إلى مكان الحادث اثر مكالمة تليفونية و أنا في موتورن إذا برجل عجوز في السبعين من عمره مولع بكأسه كما قالوا ممدودا على الأرض في غرفة المعيشة و في أعلى رأسه اثر كدمة عنيفة و قد ذبح من الأذن إلى الأذن , الدم ملأ المكان و تماثيل صينية اختفت من البيت , ربما في ذلك إشارة إلى سطو لكن يخرق هذا الظن الأمور , فالبيت فيه خادمان : بتسي آندروز , امرأة من هوباتون , و رجل فظ يدعى روبرت غرانت

آندروز خرجت لتثرثر مع جارتها في حين ذهب غرانت كعادته في كل صباح إلى المزرعة كي يجلب الحليب , و عندما رجع دخل من باب البيت الخلفي فرأى الأبواب مفتوحة , ثم وضع الحليب و مضى يقرأ الصحيفة في غرفته و يدخن , ولم يكن يعلم شيئا يزعمه

أما بتسي فدخلت غرفة المعيشة فصرخت صرخة مريعة توقظ الأموات , هكذا قال غرانت

شخص ما دخل البيت و هما خارجه و قتل العجوز المسكين !

لا بد أن يكون لصا وقحا قدم من القري