 أنني ربما كنت ترددت لو لم يكن الأجر كبيرا جدا , حيث أنني بدأت أخيرا في إنجاز تحقيقات غاية في الخطر و الإثارة .. قل لي : مالذي يقصد عادة بعبارة ((الأربعة الكبار))؟

- أظن أن هذا المصطلح جاء أصلا في مؤتمر فرساي , ثم نعرف الأربعة الكبار المشهورين في عالم السينما , و هذا الاصطلاح يقال أيضا في بعض الحفلات و الأعياد

- حسنا , لقد سمعت هذه العبارة يوما ما لكن تفسيرا مما ذكرت لا ينطبق عليها , يبدو أنها تعني عصابة دولية من المجرمين أو شيئا يتعلق بهذا الصنف فقط ..

سألته عندها دون تردد :
- فقط ؟ ماذا ؟

- أتخيل أن ذلك الشيء قوي و ضخم , تلك فكرة صغيرة لدي فحسب , هيا .. يجب أن أكمل حزم الأمتعة , فالوقت يقترب

فقلت أرجوه:
- لا تذهب ألغ التذكرة و تعال معي على متن سفينتي نفسها التي سأغادر عليها بعد شهرين .

أشاح بوارو بوجهه عني بعد أن رمقني بنظرة قاسية فيها تأنيب و قال :
- كأنك لم تفهمني تماما , لقد قلت كلمة . ألا تدرك هيركيول بوارو ؟ لا شيء ينبغي أن يعيقني الآن إلا الموت .

همست حزينا :
- و هذا ما لا أتوقعه , و أرجو ألا يختم الأمر بشيء طارئ في اللحظة الأخيرة

و ما لبثنا كلانا بعد برهة صمت قصيرة أن سمعنا صوت حركة مريبة في الغرفة الأخرى , فصحت :
- ما هذا الصوت؟

رد بوارو سريعا :
- يا إلهي كأنك قلت ما تعلم ((شيء طارئ في اللحظة الأخيرة )) : شخص غريب في غرفة نومي

- كيف دخل إليها ؟ ليس لتلك الغرفة باب إلا الباب الذي يوصل إلى هنا !
- ما أقوى ذاكرتك يا هيستنغز هيا إلى الاستنباط ..
- إنه الشباك .. إذن هو لص ؟ لا بد أنه تسلق إليه بصعوبة بالغة , لكن هذا أشبه بالمستحيل

و اتجهت صوب الباب حذرا أستطلع , غير أن حركة مقبض الباب من الداخل أوقفتني ذهلا ..فتح الباب قليلا قليلا و بان رجل يكاد يملأ المدخل و الوحل يغطي بدنه من رأسه حتى أخمص قدميه . وجهه كان شاحبا و عليه علامات الإرهاق و الإعياء .

حدق إلينا ثم ترنح و سقط , فهتف بوارو :
- الليمون بسرعة

و جلبت كأس الليمون و اجتهد بوارو أن يسكب في فمه شيئا قليلا منه , ثم حملناه إلى الأريكة , و ما لبث أن فتح عينيه بعد دقائق و نظر نظرة ذاهلة لا تبدي شيئا , سأله بوارو :
- ماذا تريد يا سيد؟

فتح الرجل فمه , ثم نطق بصوت غريب كلمات :
- السيد هير .. كيول .. بوارو , 14 _ شارع فاراوي ؟ ..
- نعم نعم , أنا هو ..

يبدو أن الرجل لم يفهم شيئا , و أعاد عبارته الأولى باللهجة ذاتها :
- السيد هيركيول .. بوارو , 14 _ شارع فاراوي ..

حاول بوارو أن يختبره بأسئلة مختلفة لكن الرجل لم يكن يجيب عن الأسئلة , و حينا كان يردد كلمته السابقة , فأشار بوارو أن يتصل بالهاتف :
- اطلب الدكتور ريدجوي كي يحضر فورا

لم تمض بضع دقائق حتى كان الطبيب يدخل مسرعا , فبيته كان في زاوية الشارع:
- ما هذا كله ؟

سرد له بوارو موجزا و بدأ الطبيب يفحص زائرنا الغريب الذي كان في غيبوبة لا يدرك ما يجري حوله , قال د.ريدجوي حين انتهى:
- آه حالة تثير التساؤل ..
همست: حمى دماغية ؟

صاح الطبيب منكرا :
حمى دماغية ! لا شيء عندنا اسمه حمى دماغية , ذلك كلام الروائيين فقط لا , إن الرجل أصابته صدمة ما , ثم جاء إلى هنا و قد سيطرت عليه فكرة ملحة ليجد السيد بوارو

قلت بلهفة :
- إذن فهو احتباس الصوت بسبب إصابة لحقت الدماغ ؟

لم يثر هذا السؤال الطبيب كما فعل سؤالي الأول , لكنه لم يجب بل دفع للرجل قلما وورقة :
- دعونا نرى ماذا سيفعل

لم يفعل شيئا لبضع لحظات , ثم بدأ يكتب فجأة و بصورة محمومة , ثم كف و ترك الورقة و القلم يسقطان من يده فالتقطهما الطبيب و نظر فيها و هز رأسه :
- لا شيء هنا , رقم ((4)) فقط بصورة غير واضحة , اثنتي عشر مرة , و في كل مرة يكون الرقم أكبر من الآخر , يريد _ على ما يبدو _ أن يكتب 14- شارع فاراوي .. إنها حالة مثيرة للاهتمام

لكن هل – يا ترى – تسمحان أن يبقى هنا إلى ما بعد الظهر؟ أنا مضطر الآن أن أذهب إلى المستشفى , و سوف أعود بعد الظهر لأصنع ما ينبغي بشأنه , هذه قضية تستحق الاهتمام و أود كشف سرها

و حدثته بأمر سفر بوارو و رغبتي مرافقته إلى ساوث هامبتون فقال :
- حسنا دعا الرجل هنا , إنه لن يتسبب بأذى فهو يعاني من إعياء ثقيل , و ربما ينام ثماني ساعات متواصلة ,سأكلم جارتكم الطيبة السيدة فنفيس وأسألها أن تعتني به

و خرج الدكتور ريدجوي مسرعا بخفته المعهودة و أتم بوارو حزم أمتعته و عينه تلحظ الساعة :
- الوقت يمضي سريعا , تعال إلى هنا يا هيستنغز , لن أدعك تقول بأنني تركتك دون عمل ,إنها مشكلة غريبة حقا .. هذا الرجل الغريب من هو ؟ و من أين جاء ؟ آه ! وددت أن لو أضحى بسنتين من عمري من اجل أن تتأخر السفينة يوما واحدا , إلى الغد بدلا من اليوم , ثمة شيء يثير السؤال و يدعو إلى الاهتمام لكن الوقت ثمين .. الوقت .. ربما تقضي أيام بل اشهر قبل أن يصبح الرجل قادرا على تسمية حاجته
- سأبذل جهدي يا بوارو سوف أكون بديلا كفئا عنك
- نعـ .. نعم

دهشت لرده الذي بعث في نفسي شكوكا , أخذت الورقة و قلت مرحا :
- لو كنت كاتبا لحبكت قصة من هذه الورقة و كلمتك التي قلتها سابقا و أسميتها ((لغز الأربعة الكبار)) و كنت أضرب على الأرقام المكتوبة و أنا أتكلم ..

أصابتني رعشة حين نهض مريضنا فجأة من غيبوبته و جلس و قال بصوت واضح :
- لي شانغ ين

في حين أوحى شكله أنه نائم و صحا من نومه فجأة
نهاني بوارو أن أكلمه , استمر الرجل يتكلم بصوت واضح جمهوري و كأنه يلقي درسا أو يقرأ بيانا مكتوبا

- لي شانغ ين زعيم العقول الأربعة الكبار , إنه القوة الضابطة و الآمرة , و لذلك فقد سميته رقم ((1))أما رقم ((2)) فذكره باسمه قليل , و لذلك رمزه (($))علامة الدولار , و رمزه أيضا شريطان و نجمه , فيحق لنا أن نحدس أنه أمريكي , و هذا يمثل قوة الثروة , ثم يبدو أن رقم ((3)) هو امرأة بلا شك , و هي فرنسية و ربما تكون واحدة من نصف العالم الجديد ,ربما لا أجزم بهذا و رقم ((4)) ...

بح صوته و تلعثم لسانه و كف عن الحديث فاقترب منه بوارو يحثه على الكلام :
- نعم ,رقم ((4)) ..

كانت عيناه مثبتين على وجه الرجل الذي ساده الرعب 