هز بوارو رأسه موافقا و يده تمتد إلى الطاولة الصغيرة تصف كؤوس العصير , تلك هي عادته : يحب النظام و التنسيق ! و قال كنت :
- هل الأربعة الكبار من عمل الألمان ؟ وهل لهذه المنظمة علاقة بغرق الزوارق ؟
- الأربعة الكبار يعملون من أنفسهم و من أجل مصالحهم فقط أيها الكابتن , هدفهم هو الهيمنة على العالم

انفجر الأمريكي بضحكة صاخبة لكنه قطعها حين لمحت عيناه وجه بوارو صارما جادا , و قال بوارو بتهكم و سخرية :
- أنت تضحك يا سيد , أنت لا تفكر , أنت لا تستعمل خلايا دماغك الرمادية

قال جاب : و الآن بعدما سمعت قصة الكابتن هل أستطيع خدمتك بشيء ؟
- نعم , أريد عنوان السيدة هاليدي و تعريفا موجزا لها إن سمحت

في صباح اليوم التالي كنا نحث الخطى إلى شيت ويندلودج قرب قرية شوبهام , حيث كان في استقبالنا السيدة هاليدي فورا , كانت امرأة طويلة شقراء , حادة المزاج و الحركة , معها طفلتها الصغيرة الجميلة في الخامسة من عمرها . سمى بوارو نفسه و أوضح سبب الزيارة ..


- ها ! سيد بوارو , كم يسعدني مقدمك! أشكرك أشكرك , لقد سمعت عنك كثيرا , فأنت تختلف كثيرا عن رجال سكوتلانديارد هؤلاء الذين لا يكادون يفقهون الحقيقة , و الشرطةالفرنسية و هم أسوأ , كلهم مقتنعون أن زوجي قد هم زوجي هو عمله المخبري , نصف شجارنا كان من أجل ذلك , فهو يحفل بعمله و لا يحفل بي !

بوارو – بهدوء - : هم كذلك الرجال الإنكليز : انشغال في العمل أو الرياضة , انهم يحملون الأمور بجد كبير ! و الآن يا مدام هلا سردت علي القصة بشيء من التفصيل و الدقة و بما رأيت و سمعت قدر استطاعتك و ظروف الاختفاء إذا أمكنك ذلك ؟

- زوجي ذهب إلى باريس يوم الخميس 20/7 , كان يريد مقابلة رجال كثر لهم صلة بعمله و زيارتهم , و منهم مدام أوليفير ..

هز بوارو رأسه لما سمع اسم الكيمياوية الفرنسية الشهيرة التي فاقت شهرتها العملية شهرة مدام كوري بما أنجزت بذكاء , لقد قلدتها الحكومة الفرنسية وساما رفيعا و أصبحت أبرز علماء فرنسا المعروفين .

- وصل باريس في المساء و قصد من فوره فندق كاستيج ليون و في صبيحة اليوم التالي كان على موعد مع الخبير بورجونوا الذي وفى بوعده كان سلوكه عاديا و بهيجا , و كان بينهما حديث جاد هام , ثم كان ضروريا أن يذهب زوجي إلى مختبر الخبير في اليوم التالي كي يرى تجاربه

أكل الغذاء في مقهى رويال وحده , ثم ذهب يتمشى في بوا , ثم زار مدام أوليفير في بيتها في باسي , و كان هناك طبيعيا تماما , ثم غادر منزلها في الساعة السادسة و لم يعرف أحد أين أكل عشاءه , ربما في أحد المطاعم وحده !

وصل الفندق حوالي الساعة الحادية عشرة , و ذهب إلى غرفته بعد أن سأل إن كانت قد وصلته أي رسائل , ثم في صباح اليوم التالي خرج من الفندق ماشيا و لم يشاهد بعدها !

- متى غادر الفندق ؟ في الساعة المعتادة لكي يلتزم بموعده في مختبر الخبير بورجونوا ؟
- لا نعرف على وجه الدقة ,لم يره أحد و هو يغادر الفندق , لكن طعام الإفطار لم يقدم له إذن فقد خرج مبكرا ..
- أليس يجوز أنه خرج مرة أخرى في الليلة التي عاد فيها ؟
- لا أظن , لقد ظهر من سريره أنه نام عليه , ناهيك أن موظف الفندق لا بد أن يلمح أي زبون يخرج في هذه الساعة المتأخرة من الليل
- تلك مجرد ملاحظة مجردة يا مدام ,لعلنا نعتمد الرأي القائل بأنه خرج مبكرا , و هذا فيه طمأنينة من جهة واحدة : أنه لم يقع ضحية قطاع الطرق في باريس , لكن هل ترك خلفه أمتعته كلها ؟

بدت السيدة هاليدي كأنها كرهت الجواب لكنها قالت أخيرا :
- لا بد أنه أخد معه حقيبة الأوراق الصغيرة

قال بوارو و هو شارد في برهة تفكير عميق :
- عجبا ! أين كان ذلك المساء ؟ لو أجيب هذا السؤال كشفنا أشياء كثيرة , من الذين قابلهم ذلك المساء ؟ هنا يكمن الغموض , ليس علي أن أقبل رأي الشرطة , فهم – غالبا – يبحثون عن المرأة , لكن شيئا قد وقع في تلك الليلة فغير زوجك برنامجه .. قولي لي : حين سأل عن الرسائل حين عودته إلى الفندق ألم يستلم رسالة ؟
- واحدة فقط, الرسالة التي كتبتها له يوم سافر من إنكلترا

ظل بوارو في تفكيره لحظات , ثم نهض فجأة و انتصب قائلا :
- حسنا يا مدام , السر في باريس , و لكي نجد الحل لا بد من السفر إلى باريس , سوف أذهب أنا هناك
- لقد انقضى زمن طويل منذ ذلك يا سيد بوارو !
- نعم , لكن ينبغي أن نبحث هناك

و قام إلى الباب مغادرا لكنه التفت بعدما أمسك مقبض الباب قائلا :
- ألا تذكرين يا مدام أن زوجك ذكر كلمة ((الأربعة الكبار )) ؟

-	.. ((الأربعة الكبار )) .. ((الأربعة الكبار )) .. كلا لا أذكر
